والصورة هنا يستخدمها الشاعر ليمدح بها المؤتمن، فنجده يشبهه بالقمر في الإضاءة، وفضل قدرته على هداية الناس، إذ خص من القمر أن يكون"للسرج"، كما يشبهه بالشمس في الإشراق، وأسند الشمس"للموكب"ليدل على مكانته بين قومه، والتشبيه بالقمر، والشمس، من الصور المألوفة ومما"يشيع، ويتسع، ويذكر، ويشهر حتى يخرج إلى حد المبتذل، وإلى المشترك في أصله، وحتى يجري مع دقة تفصيل فيه مجرى المجمل الذي تقوله الوليدة الصغيرة والعجوز الورهاء" [1] ، وقد أضفى الشاعر إليه شيئًا من الخصوصية بأن قيده بقوله:"إن بدا"فارتقى به في الصياغة الفنية، والتعبير المعنوي.
ومن هذا المستوى البسيط وغير المرذول فيما يحدثه من تأثير على المتلقي وما له من قيمة بلاغية في النسق، ما تتميز به الصياغة التشبيهية من تداخل في الصور والتراكيب، مما يرهق الخيال، ويستوعر على الفهم والإدراك، كقوله يمدح إخوانه من قصيدة رثى بها نفسه [2] : -
سَقَى اللهُ فتْيانًا كأنَّ وُجُوهَهُمْ ... وُجُوُهُ مَصَابِيحِ النُّجُومِ الزَّواهِرِ
إِذا ذَكَروُني والثَّرَى فَوْقَ أَعْظُمِي ... بكَوا بُعُيُونٍ كالسَّحابِ المواطِرِ
إن إحساسًا عميقًا بالحزن، والحسرة، يخلد في نفس الشاعر، خوفًا من ذكرى القبر، وما يعقب الموت من جزاء وحساب، فهو يستمسك بما يظن أنه باقٍ من بعده في الدنيا، ويرجو فيه النجاة، ويتوصل به للرحمة، في تذكر إخوانه، ودعائهم له بعد الموت، فبدأهم بالدعاء وبادرهم بالمدح، عسى أن يكون ذلك لهم أدعى لتذكره، والبكاء عليه، فدعا لهم بالسقيا من الله، ووصف هيئتهم وإشراقهم في صياغة دقيقة وبالغة، وفي سياق عميق للمعنى، إذ استعار لإضاءة النجوم وإشراقها المصابيح، ثم شبه وجوههم بتلك المصابيح، ثم تخيل أن للمصابيح تلك وجوهًا على سبيل الاستعارة المكنية ليتم له تشبيه وجوههم بوجوه مصابيح النجوم، وبالغ في ذلك الإشراق فوصف تلك النجوم بالزواهر،"ولا تخلو هذه الصورة ولا سيما في المشبه به من التركيب والتداخل في التصوير مما يرهق الخيال في"
(1) أسرار البلاغة، ص: 189.
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 113.