الصفحة 58 من 232

وصياغة الصورة هنا أتت على خلاف الأصل فهي من قبيل تشبيه المحسوس بالمعقول، وهي من التشبيهات التي تباينت مواقف علماء البلاغة في قبولها وبلاغتها

، فالرماني يخرجه من التشبيهات البليغة [1] ، وأبو هلال العسكري في الصناعتين يجده من التشبيهات الرديئة [2] .

ويراه ابن رشيق القيرواني من قبيل"قصد الشاعر أن يشبه ما يقوم في النفس دليله بأكثر مما هو عليه في الحقيقة كأنه أراد المبالغة" [3] ، فهو تشبيه يظهر فيه تعمّل الشاعر في صناعة الصورة، فأخرج الواضح المحسوس للخفي المعقول، وذلك على خلاف الأصل، وربما يشفع لابن شهيد في ذلك أنه أراد المبالغة في خفاء الصوت المسموع من جناح النحلة بما هو أكثر دلالة وإشارة عليه.

ومثله في هذا المستوى أن يتركب التشبيه من الصياغات البيانية التي تعودها الشعراء في نظمهم، كقوله يمدح المؤتمن [4] [5] : -

تُبْصِرُ العَيْنانِ منه إِنْ بَدا ... قَمَرَ السَّرْجِ وشَمْسَ المَوْكِبِ

وكدأب ابن شهيد في شعر المدح، فهو يتقرب به للخلفاء والأمراء، وخاصة آل العامريين، وبني أمية، وإن كان في بعض أشعاره يصدر عن عاطفة قوية، وشعور صادق بالولاء.

والبيت هنا من قصيدة مدح بها عبد العزيز المؤتمن، نسجها على منوال القصيدة القديمة، فبدأ بوصف الخمر، ثم وصف السحب، وتوصل به إلى المدح.

(1) يُنظر النكت في إعجاز القرآن، لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القران، تحقيق: د: محمد زغلول، محمد خلف الله، الطبعة الرابعة، دار المعارف، ص: 81. فهو يرى أن التشبيهات البليغة ما أخرج فيها التشبيه الأغمض للأظهر، وفي البيت أخرج الشاعر الأظهر للأغمض فصوت جناح النحلة أوضح من صوت الضمير الخفي أيضًا، غير أن المبالغة في وصف خفاء ذلك الصوت الصادر عن النحلة يتناسب أكثر، ويدل عليه بدقة صوت الضمير الخفي.

(2) الصناعتين الكتابة والشعر، ص: 242.

(3) العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تأليف أبي علي الحسن بن رشيق القيرواني، تحقيق: د. محمد قرقزان، دار المعرفة، بيروت، لبنان الطبعة الأولى، 1408هـ، 1988م، ج1 ص: 490.

(4) (*) سبقت ترجمته ص: 37.

(5) ديوان ابن شهيد، ص: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت