والخير بالوعظ والتلطف، لجبار قوم طغوا في العصيان، فكانوا مردة"جبار قوم مردو", وقد أفرغ هذا النسق التعبيري على الوصف من معاني المبالغة في الظلال والجبروت مالا يكشف عنه وصف التجبر مفردًا، فهو جبار قوم مردوا، فإن كان القوم قد تمردوا، فجبارهم لا بد وأن يكون أشد تمردًا وعصيانًا، في مقابل الدعوة بالخير والصلاح في وعظ وتلطف، وهي صورة تمثيلية يندر حضورها في الذهن عند ذكر حال المشبه، أو وصف معانيه، مما كان سببًا في غرابتها، وجمالها الفني، وتأثيرها المعنوي على النفس، ومعلوم في جودة التشبيه أن"التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث أريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح، والمتآلف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين" [1] .
ومما يمكن أن نلحظه إضافة إلى ذلك وهو من شأنه أن يضعف من تأثير الصورة، معنى التضمين المعنوي البعيد الذي نجده يظهر في استعانته بوصف حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة خاصة من قوله تعالى في خطاب نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم: {اُدْعُ إلى سَبِيلِ رَبِكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنةِ} [سورة النحل آية 125] .، ليصف بها حاله مع ذلك الصبي، وهو مما يذهب بالسياق لإحداث أثر منفر وغريب.
وقد يُخرج التشبيه في صياغته ما يُدرك بالحواس إلى ما لا يدرك إلا بالعقل فتختلف في تقبله النفوس والعقول، كقوله يصف نحلة [2] : -
وطائِرِةٍ تَهْوى كأَنَّ جَناحها ... ضَمِيرٌ خَفِيٌّ لا يُحَدِّدُهُ وهْمُ
فهو يصف من النحلة حركة طيرانها، فهي تهوي من علٍ، غير أنها سريعة وخفيفة في تلك الحركة بحيث يختفي مع ذلك صوت جناحها، فشبه طنين ذلك الجناح المتحرك في سرعة وهدوء مستتر، بصوت الضمير الخفي.
(1) أسرار البلاغة، ص: 130.
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 150.