دليل، والمتفرقة على حافة شاطئه بلا ترتيب، وهنا تكمن موطن الجمال الفني، والبلاغة التعبيرية.
وتكاد تغلب هذه الصياغة التصويرية على صور التشبيه عند ابن شهيد، فهو سبب فني من أسباب جمال وبراعة أسلوبه البلاغي في النظم والتصوير.
وقد يأتي التشبيه في سياق متضمنًا على وصف يبين عن الشبه في الصورة ويكون خاليًا من العاطفة، والانفعال، إلا أنه يتميز بقيمته وجماله التصويري في التركيب، والمعنى كقوله يصف الليل [1] : -
وبِتْنَا نُرَاعِى الَّليْلَ لم يَطْوِ بُرْدَهُ ... ولم يَجْرِ شَيْبُ الصُّبْحِ فِي فَرعِهِ وخْطَا [2]
تَراهُ كَمَلْكِ الزِّنْجِ في فَرْطِ كِبْرِهِ ... إِذا رام مَشْيًا في تَبَخْتُرِهِ أَبْطَا
مُطِلًا على الآفَاقِ والبَدْرُ تاجُهُ ... وقد عَلَّقَ الجَوْزاءَ في أُذْنِهِ قُرْطَا
فبعد أن وصف الشاعر الطبيعة وما فيها من سحب كثيفة، وبرق ورعد ومطر منهمر [3] ، وقد جنَّ عليه الليل فبات يرقبه ويتأمله، وهو من الطول بحيث يمر ببطء وتؤدة فوصف شمول ظلامه للكون وما فيه من نجوم، وكواكب، وصور طوله في تأخر النهار عن الشروق، فشبهه ضمنيًا بالبُرد وقيده بوصفه"لم يُطو"، وجعل المشبه به حالًا للمشبه، مبالغة في اختصاصه بذلك الوصف، ويحتمل الاستعارة التصريحية حيث شبه الظلام المنشور بالبُرد، طوى ذكر المشبه الظلام، وذكر المشبه به البُرد، وفي المقابل شبه ضوء الصبح بالشيب وقيده بأن نفى انتشاره فقال"لم يجر"على سبيل الاستعارة التصريحية فدل على تأخر قدومه، وحلوله على الوجود.
ويتجه بعد هذا الإقرار بطول الليل إلى وصفه وبيان ما فيه من كواكب، وما له من هيئات، فشبه حالة انقضائه البطيئة والمتثاقلة، بحالة مشي ملك الزنج"وهنا نلحظ أنه اختار ملك الزنج ليتناسب وسواد الليل"، ورشح التشبيه بوصف تلك
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 122.
(2) فرع كل شيء أعلاه، والوخط هو استواء السواد والبياض أو نشوء الشيب في الرأس. لسان العرب مادة فرع، وخط.
(3) يُنظر الأبيات التي تصف تلك الحال للطبيعة، وتحليلها في مبحث الاستعارة حيث تُشكل في سياقها مستوى من مستويات الأداء البلاغي للاستعارة في شعر ابن شهيد، ص: 61 من الدراسة.