وعلى الرغم من تلك القوة الجريئة، فهو حقير القدر ضئيل الحجم أشبه بالذباب في تراب، ويبالغ الشاعر في وصف تلك الدناءة إذ يصوغ المعنى من التشبيه الضمني"بأفعل التفضيل"، فقال:"أخزى وأهون من ذباب في تراب".
وجمال التشبيه في أن جمع الشاعر في أوصافه بين حالين متناقضين للبعوض"القوة، والحقارة"وعبر عن تلك الحالتين بأسلوب التشبيه الضمني المبالغ فيه، باستخدام"أفعل التفضيل"، فقال:"أعدى الحراب، وأخزى وأهون من ذباب في تراب"فهو عندئذ"يصعد في سلم الخيال، والتجسيد ليطرق باب الاستعارة لما فيه من ادعاء التساوي بين الطرفين وتجاوز الفروق وإزالة الحدود بينهما" [1] ، ثم أن أتى ذلك الوصف في سياق التشبيهات المتعددة، والاستعارات المتوالية مما كون معها هيئة متكاملة الأوصاف للبعوض تعكس دقة نظرة الشاعر، وقدرته البلاغية على الوصف والتصوير، وتترك أثرًا نفسيًا، وتصورًا عقليًا محسوسًا ومتخيلًا لدى القارئ، إذ أن توالي الاستعارات، والصور التشبيهية وبناءها على بعضها البعض مما تزداد به الصورة حسنًا [2] .
ومثله في المستوى، قوله يصف مجلسًا للأصحاب [3] : -
كأَنَّ أَخفافَنا علَيْه ... مَراكِبٌ مالها دَلِيلُ
ضَلَّتْ فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ تَجْرِي ... فَهْيَ على شطَّهِ تُقِيلُ؟
فذلك مجلس كان يحضره ابن شهيد ظهر فيه الباب، والأخفاف، واللبد الأحمر يتوسطه، وصف الشاعر تلك المحسوسات في المجلس كما تخيل هيئتها في ذهنه، وانعكست في نظرته لها، إذ كانت هيئة الأخفاف متناثرة على أطراف اللبد الأحمر على غير ترتيب وتنظيم، أشبه بالمراكب الضالة في عرض البحر بلا دليل، والمتفرقة على شواطئه في عشوائية، وضياع، ومما يميز الصورة هنا ويعلي من قدرها البلاغي والخيالي، أن لفظ الأخفاف مفرد تضمن معاني لهيئات، وأحوال اتضحت تفاصيلها من خلال وصف المشبه به وهي المراكب الضالة في البحر بلا
(1) أساليب البيان والصورة القرآنية دراسة تحليلية لعلم البيان، ص: 54.
(2) يُنظر نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز، للأمام محمد بن عمر فخر الدين الرازي، تحقيق: أحمد حجازي السقا، المكتب الثقافي للنشر والتوزيع، الأزهر القاهرة، الطبعة الأولى، 1989، ص: 175 بتصرف.
(3) ديوان ابن شهيد، ص: 139.