المعارضة، حيث يطرح فيه آراءه النقدية ونظرياته الأدبية في الأخذ وحسن النسج، وهي للبيان المفصل أحوج منها للإيجاز، وإمعان العقل ومعاودة النظر في فهم المراد.
وأساليب الطباق في رسالة ابن شهيد متنوعة، في صياغتها، ونسجها في التعبير، فقد يأتي منها طباق الإيجاب مفردًا في سياقه، وقد يتداخل طباق الإيجاب، وطباق السلب في بعض تعبيراته، وربما جمع في طيات التعبير بين الطباق اللفظي، والمعنوي، فيدل بذلك على دقة الخيال، وشمولية الوصف لتفاصيل الهيئة بين المضمون المعنوي والمحسوس الشكلي، كما يظهر ذلك في وصفه للبرغوث؛ أو أن تأتي من بين أساليب الطباق تلك المقابلة البديعة في فصول التوابع، لتشير إلى معنى مهم في سياق الفخر، وفي تفاصيل الرحلة، وعند الكاتب في نفسه، كقوله يبين عن مظاهر البراعة الفنية، والبلاغية في التعبير.
وبعد، فإن صياغات الطباق في رسالة أبي عامر تتميز بالتباين والتنوع في أغراضها النفسية والفكرية، فتارة نجدها تقرُّ منهجًا نقديًا تبناه واعتقد بصحته ابن شهيد فشرع في الإفصاح عنه وبيان قيمته؛ وتارة أخرى نجده يعبر عن شعور نفسي عميق هو أساس قامت عليه فصول الرسالة، ومفاده أن أبا عامر إنما يكتب عن طبع في الأدب، وقدرة بارعة في التأليف؛ فإن تنوع وتباين مستويات أدائها الفنية والتعبيرية، ما هو إلا تباين بسيط يظهر أثره عميقًا وبارزًا في صياغة أسلوبه الفني، على الرغم من محدودية ذلك اللون في توابعه، فهو بين اللفظي البارز في الكلام، والمعنوي المؤثر المتضمن لأسرار السياق.
وقد عَرِف ابن شهيد قيمة الطباق، وبلاغته في الكلام، فنوه إليه في سياق بيانه لقيمة السجع والمماثلة في الكلام، وأثبت ما لاستخدامه من ميزة فنية وتعبيرية في النثر، قائلًا:"ثم قلت له: ليسَ هذا، أعزَّك الله، منّي جَهلًا بأمرِ السّجع، وما في المماثَلة والمقابَلةِ من فَضْل، ولكنّي عدِمتُ ببلَدي فُرْسانَ الكلام، ودُهيتُ بغباوةِ أهل الزمان، وبالحَرَا أن أحرِّكَهم بالازدواج. ولو فرَشتُ للكلامِ فيهم طَولقًا، وتحركت لهم حركة مَشُوْلم، لكان أرفعَ لي عندَهم، وأولجَ في نفوسِهم" [1] .
(1) رسالة التوابع والزوابع، ص: 116.