تلك البغلة التي بذلت هي الأخرى جهدًا في التعريف بنفسها والتذكير بما كان من أوصافها، وما تبعه من وصف لموقف اللقاء الذي كان بعد أمة، وما أعقبه من آثار تبدل الأزمان وتغير الأحوال، وما يمكن أن يثيره من الأشجان ويحركه من الأحزان"فتَباكيْنا طويلًا، وأخذنا في ذكْر أيامنا، فقالت: ما أبقتِ الأيامُ منك؟، قلت: ما تَرينَ. قالت: شَبَّ عمروٌ عن الطَوق!"، فهو زمن بعيد تغيرت فيه الحال، وتبدلت؛ ويبسط الكاتب القول في بيان جانبًا من ذلك التحول وقدرًا من ذلك الزمن البعيد، فعرض لأوصافه، وأوضح صورته في أسلوب موجز ملئ حزنًا وأسفًا على ما مضى، أتت به المطابقة في السياق، فقال:"شَبَّ الغِلمان، وشاخ الفِتْيان"فبين"شبَّ , وشاخ"طباق إيجاب [1] ، فاللفظتان ترسم صورة طبيعية ومألوفة لدقائق ما حدث ويحدث بسبب تقادم الزمن، وتوالي الأيام، فمن الفطري أن يشب الغلمان ويشيخ الفتيان، وذلك سبيل تتغير فيه الأحوال والمواقف.
وفضل الطباق هنا ومزيته في إيجاز ما قد يسرف الكاتب في وصفه من قدر ذلك البعد، وحجم ذلك التغير وصوره المفصلة.
ولا يفوت ابن شهيد أن يضيف مسحة جمالية وصوتية موسيقية على النسج الطباقي هنا فتنجذب له الآذان وتطرب به النفوس، وذلك باستخدامه للسجع المتوازي في قوله"الغلمان، والفتيان، والخلان"، وقوله:"الوزارة، والأمارة".
وابن شهيد إذ يكشف عن قدرته الأدبية، ويدافع عن إبداعه، وينافح عن ذلك في وجه حساده والناقدين الناقمين عليه، في دقة وقوة معنوية وتأثيرية، فإنه يعمد إلى الإيجاز في عرض التفاصيل، ليضمن الوصول إلى غايته، في نشاط من ذهن القارئ، وإقبال من النفس، وقدرة متشوقة للفهم، والاستيعاب، فكانت المطابقة، سبيله في ذلك، إذ نراها تظهر في فواصل مهمة من تضاعيف الرسالة، وأساسية في المعنى والغرض، فهي بارزة في توابع الكتاب والشعراء، وفي حيوان الجن، والتي يتناول الكاتب في جميعها الإشادة ببراعة أسلوبه، والتدليل على قوة بيانه، بينما تقل في نقاد الجن، لكونه مجالًا لإثبات التفوق النقدي، والقدرة الشعرية على
(1) طباق الإيجاب هو الجمع بين متضادين في معنيين متقابلين في الجملة، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج 6، ص: 11.