الصفحة 208 من 232

الأسلوب الفني البديع والمؤثر، فوصفه بأنه في التأليف والتعبير وسط في القيمة الفنية والأدبية لم يبلغ به نسجه حد الإبداع، ولا زلَّ به إلى حد الإسفاف الأدبي والاستهجان، ذلك ما أوضحته المطابقة في قوله:"لا يحسن فيطرب، ولا يسيء فيلهي"فنفى عنه تمام الإحسان وكماله الذي يكون معه الإعجاب والإطراب بأدبه، كما نفى عنه غاية الإساءة وبالغها والتي تكون مظهرًا من مظاهر اللهو في الأدب، فجعل نتاجه على حال من الإبهام الذي لا يتبين معه أثره الفني، أو قيمته التأثيرية والإبداعية، فهو متذبذب بين الإساءة والإحسان، وهذا وصف أشد ما يكون أثرًا نفسيًا سيئًا على عالم في النحو وضليع في النقد والأدب، والبيان؛ وهو يشير في خفاء إلى العداوة التي قامت بين ابن شهيد وابن الإفليلي [1] .

وهذا المستوى البليغ والمؤثر من المطابقات، هو أسلوب فني اتخذه ابن شهيد مسلكًا بارزًا في تضاعيف رسالته"التوابع والزوابع". وتمثله نهجًا فنيًا ثابتًا في تأليفه، فهو يحمِّله عواطفه النفسية، وانفعالاته الذاتية، ويأتي به في سياق التألم، والحسرة، كما في قوله يتحدث إلى بغلة أبي عيسى:"وقالت لي البَغْلة: أما تعرِفني أبا عامر؟ قلتُ: لو كانت ثَمَّ علامة! فأماطتْ لِثامَها، فإذا هي بغلة ُ أبي عيسى، والخالُ على خَدّها، فتَباكيْنا طويلًا، وأخذنا في ذكْر أيامنا، فقالت: ما أبقتِ الأيامُ منك؟، قلت: ما تَرينَ. قالت: شَبَّ عمرو عن الطَوق! فما فعل الأحبّة ُ بعدي، أهم على العهد؟ قلتُ: شَبَّ الغِلمان، وشاخ الفِتْيان، وتنَكّرتِ الخلاَّن، ومِن إخوانكِ من بَلَغَ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة. فتنفَّستِ الصُّعَداء [2] ، وقالت: سقاهم اللهُ سَبَلَ العهد [3] ، وإن حالوا عن العَهْد [4] ، ونسُوا أيّامَ الوُدّ" [5] .

فحوار الكاتب مع البغلة هو حديث اتصل بالذاكرة، فيه مظاهر تقادم الزمن وتباعده باديًا، من ابتداء الكلام إلى نهايته، فقد شحذ أبو عامر ذاكرته للتعرف على

(1) يُنظر تفصيل ذلك ما أورده بطرس البستاني في تقديمه لرسالة التوابع والزوابع، ص: 29. وترجمت ابن الإفليلي ص: 141. من الدراسة.

(2) الصُعداء المشقة، وتنفس الصُعداء، تنفس نفسًا ممدودًا، أو مع توجع، ينظر لسان العرب، مادة صعد.

(3) العَهْدَةُ مطر بعد مطر، المعجم الوجيز مادة عَهِدَ.

(4) والعهد: العلم، والوصية، المرجع السابق، مادة عهد.

(5) رسالة التوابع والزوابع، ص: 149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت