ومثله في المستوى والتعبير أن تأتي من بين أساليب الطباق تلك المقابلة البديعة في فصول التوابع، لتشير إلى معنى مهم في سياق الفخر، وفي تفاصيل الرحلة، وعند الكاتب في نفسه، وذلك في قوله يبين عن مظاهر البراعة الفنية، والبلاغية:"وحتى تتناولَ الوضيعَ فترفعَه، والرفيعَ فتضَعَه، والقبيحَ فتحسّنَه!"
فهنا تكمن أسس البلاغة، وصور البراعة في النظم والتأليف، في تحسين القبيح، وتقبيح الحسن، ورفع الوضيع، ووضع الرفيع، يقول في ذلك صاحب العمدة في رواية عن النهشلي إن"حسن البلاغة أن يصور الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق" [1] وهو ما أبدع ابن شهيد في جانبه، وفي تناول أساليبه في الكلام على التوابع، وأوصاف الحيوانات.
فالمقابلة هنا طوت من معاني البراعة، وأبرز مظاهر القدرة الأدبية ما لو أن الكاتب أراد عرضه والتدليل عليه لاستغرق ذلك منه الإسهاب في الكلام، والإطناب في التعبير، هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد ذلك التناوب اللفظي والمعنوي في السياق، بين"الرفيع، والوضيع"، ثم ختام الكلام بألفاظ متجددة في عرض المعنى، مما كان له أثر في تحريك الذهن، وترديد المعنى في النفس.
ويعد من هذا المستوى في الطباق ومن أبرز سمات بلاغته في التعبير أن يأتي الطباق ليؤدي غرضًا نفسيًا وانفعاليًا إلى جانب ما يحمله من إبداع معنوي ولفظي، كأن يصاغ في سياق الهجاء والتقريع، فيصل بالقارئ إلى تصور غاية القبح ومنتهى الرداءة، توضحها المقابلة [2] بغاية الحسن وأقصى معاني الوصف.
يمثله في رسالة ابن شهيد قوله يهجو تابع ابن الإفليلي، والذي سماه بأنف الناقة:"قلت: لاهَ اللهُ! إنّما أنتَ كمُغَنٍّ وَسَط، لا يُحسِنُ فيُطرِب، ولا يُسِيء فيُلهِي" [3] .
فابن شهيد يأخذ من ابن الإفليلي موقفًا معاديًا، لكونه عالمًا نحويًا وأديبًا لغويًا، فنتاجه أقرب إلى أسلوب التدوين العلمي والنسج المنطقي البعيد عن الخيال من
(1) العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ج1، 427.
(2) المقابلة هي أن يأتي بمعاني متوافقة ثم يقابلها على الترتيب، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 16.
(3) رسالة التوابع والزوابع، ص: 125.