الصفحة 206 من 232

مع إوزة جعلها تابعة لشيخ من شيوخ النحو في عصره، فيقول على لسان الإوزة:"أيّها الغارُّ المغرور، كيف تحكُم في الفروع , أنت لا تُحْكِمُ الأصول؟ ما الذي تُحْسِن؟ قلتُ: ارتجالَ شِعر، واقتضابَ خُطبة، على حُكْم المقْتَرَح والنُّصْبة [1] " [2] .

فالإوزة تجابه ابن شهيد باستفهام استنكاري تبين فيه عن نظرة نقدية قائمة في عصره مفادها أن أساس الإبداع ومقياس التفوق يحتكم إلى تمام حفظ الغريب، وإتقان قواعد النحو، وهذا رأي يخالف ما يراه ابن شهيد من أن فهم غريب اللغة، وإحكام قوانين النحو ليس إلا آلات يستعين بها من ركبت فيه الموهبة فطريًا، وصقلها بالدربة، وأتقنها بتحري النحو، وحسن استخدام الغريب، فكان بها لنتاجه ميزة فنيه، ودليل على قدرته البيانية والإبداعية.

والمطابقة هنا تظهر في أساسيات الرؤية النقدية، وفي تحديد نقاطها وبيان مفهومها، وهي تأخذ منحيين وتعبر عن معنيين متناقضين لوجهة نظر نقدية متباينة بين الإوزة وابن شهيد، ففي قول الإوزة:"كيف تحكُم في الفروع , أنت لا تُحْكِمُ الأصول"، فالفروع هنا هي النظم والتأليف، والأصول قواعد النحو، وغريب اللغة، فهي تقرر أنه لا يحكم الفرع إن لم يحكم الأصل. وابن شهيد يرى أن الفروع هي النحو والغريب والأصول هي الموهبة الفطرية والقدرة الأدبية على الإبداع في النظم والتأليف، عبر عن ذلك بالمطابقة المعنوية [3] في قوله:"قلتُ: ارتجالَ شِعر، واقتضابَ خُطبة، على حُكْم المقْتَرَح والنُّصْبة"، فارتجال الشعر واقتضاب الخطبة هي الأصل المقدم في البراعة الأدبية، وحكم المقترح والنصبة في علم النحو وإدراك الغريب فرع على الموهبة، ومصدر الحسن فيها، وآلات في أساس ذلك الإبداع، وذلك الجمال [4] .

(1) النصبة السارية المنصوبة علامة في الطريق، والمراد هنا ما يشار به من رأي لا يعدل عنه، يقال: نصبت له رأيًا، هامش رسالة التوابع والزوابع، 151.

(2) رسالة التوابع والزوابع، ص: 151.

(3) الطباق المعنوي هو أن يكون خفيًا نوع الخفاء في المعنى، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج6، ص: 10 بتصرف.

(4) وهي قضية أفاض في بيانها ابن شهيد في بعض رسائله التي أوردها ابن بسام الشنتريني، في كتابه الذخيرة، ج1، ق1، ص: 234، كما تناول تلك القضية، ابن الأثير في كتابه المثل السائر، ج1، ص: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت