وكان استخدام ابن شهيد اليسير لبديع الجناس في ثنايا رسالته"التوابع والزوابع"منهجًا يعتد به طالب التميز فيه، فكأنما يشير في ذلك الأسلوب ضمنًا إلى ما صرح به الشيخ عبد القاهر الجرجاني بعده في وصف جماله وطرق البلاغة فيه، بقوله:"فما يعطى التجنيس من فضيلة، أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه إلا مستحسن، ولما وجد فيه معيب مستهجن، ولذلك ذم الاستكثار منه والولوع به. وذلك أن المعاني لا تدين في كل موضع لما يجذبها التجنيس إليه" [1] ، وكما كان اختلاف المعاني وتباين قبولها للتجنيس سبب للحسن أو الرداءة إذا ما تُكلف، فكذلك كان اختلاف الأغراض، والتعبيرات، والأحوال التي يأتي التجنيس في سياق تأليفها سببًا من أسباب تفاوت مستوياته، وداعيًا من دواعي قبوله أو رده.
وفي فصول رسالة"التوابع والزوابع"يأخذ التجنيس مستويين من الأداء، اتفقا في القيمة التعبيرية عن المعنى، وافترقا في الصياغة والنظم التأليفي. فيكون من المستوى الراقي في البلاغة والبيان، عندما يستجمع أسباب التأثير في النفس، فتروق صوره الخيالية الأذهان، وتطرب أصواته الآذان، كقوله يجادل ابن الإفليلي [2] حول أصول البيان وتعليمه:"ليسَ من شِعرٍ يُفَسَّر، ولا أرضٍ تُكَسَّر [3] . هيهات حتى يكونَ المِسْكُ من أنفاسِك، والعنْبرُ من أنْقاسِك [4] ؛ وحتى"
(1) أسرار البلاغة، ص: 8.
(2) (*) أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا القرشي الزهري، المعروف بابن الإفليلي، ممن بذا أهل زمانه بقرطبة في علم اللسان العربي، وضبط غريب اللغة، في ألفاظ الأشعار الجاهلية، والإسلامية، كان غيورًا على ما يحمل من ذلك الفن، كثير الحسد فيه، راكباُ رأسه في الخطأ البين إذا تقلده، عدم علم العروض مع احتياجه إليه، نال الجاه والوزارة في زمن بني حمود، استكتبه المستكفي، فلم يجري في أساليب الكتُّاب المطبوعين، لأنه كان على طريقة المعلمين المتكلفين، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1م1، ص: 281، 282.
(3) أرض ذات كسور، مجازًا ذات صعود وهبوط، أساس البلاغة، جار الله الزمخشري، مركز تحقيق التراث، الطبعة الثالثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الجزء الثاني، ولعلها هنا كناية عن غريب اللغة الذي يحتاج إلى تفسير، والوصول لفصاحة البيان، بإتقان التركيب وفهم قواعد النحو، وقديمًا كان العرب يذهبون بأبنائهم للبادية لتعلم أبجديات اللغة على أساس من الفصاحة والبيان الصحيح، فمن كانت لديه موهبة برع وتفوق في البيان، ومن جرد منها كان كلامه ثقيلًا بعيدًا عن الجمال وإن أتقن القواعد والتركيب.
(4) جمع نقس وهو المداد. معجم لسان العرب، مادة نقس.