يكون مَساقُكَ عَذبًا، وكلامُك رَطْبًا، ونَفَسُك مِنْ نَفْسِك، وقَليبُك من قلبِك [1] ؛ وحتى تتناولَ الوضيعَ فترفعَه، والرفيعَ فتضَعَه، والقبيحَ فتحسّنَه!" [2] ."
فمنطق ابن شهيد يقضي بأن يكون تمام آلة البيان، وإدراك أسباب البلاغة، هبة يخص الله بها من يشاء من عباده، فلا هي متاحة لكل شاعر، ولا يبلغ شأوها كل أديب، وإن حاول جاهدًا الإحاطة بغريب اللغة، وتصاريف النحو في الكلام، وإن أدرك سهل الكلام وصعبه، فهي"ليس من شعر يفسر ولا أرض تكسر"، وإنما براعة فنية وقدرة أسلوبيه رُكبت في النفس، تصقلها الدربة والمران، ويجري بها اللسان طيعة سهلة، ويظهرها نسق الكلام جميلة مؤثرة، فلا يُكدّ فيها خاطر ولا يُعجم بها قول، وهنا تكون غاية البيان والفصاحة، ومنتهى البلاغة:"وحتى يكون مَساقُكَ عَذبًا، وكلامُك رَطْبًا، ونَفَسُك مِنْ نَفْسِك، وقَليبُك من قلبِك"، بمعنى أن يدل الكلام دلالة صادقة على نفس الأديب.
عرض الكاتب لذلك المعنى في أسلوب راق، ظهر فيه إبداع التصوير الخيالي للمعنى، والتناغم الصوتي للفظ، فكنى عن السهولة في اللغة والوعورة في التعبير بقوله:"ليس من شعر يفسر، ولا أرض تكسر"، فبين"يفسر، وتكسر"ما يشبه الجناس لتوافق الحرفين الأخيرين، وفي قوله:"حتى يكون المسك من أنفاسك والعنبر من أنقاسك"شبه الشعر الجميل بالمسك فيما يتركه من أثر طيب على النفس وقبول حسن لدى العقل، وهو من التشبيه الضمني الذي تجّوز فيه عن الشعر بقوله"من أنفاسك"، وبالغ في وصف ذلك الحسن وعرض أسباب القبول، والكشف عن مظاهر الجمال، فشبه مداد الكاتب بالعنبر تشبيهًا ضمنيًا أيضًا، وذلك لما له من قيمة تأثيرية معنوية ومادية تطيب بها النفس، فبين قوله"أنفاسك، وأنقاسك"جناس لآحق، يضاف إليه نغمة السجع المتوازي لاتفاق الكلمتين المسجوعتين في الوزن والتقفية مما يزيد من الإحساس بجمال الإيقاع، وقد أثرى الكاتب المعنى البلاغي في السياق باستخدام المجاز المرسل"من أنفاسك"إذ ذكر النَفَس، وأراد ما يصاحبه وهو الكلام بعلاقته المصاحبة، فكان ذلك مما يدلل على براعة الكاتب
(1) القليب البئر، المعجم الوجيز، مادة قلب.
(2) "رسالة التوابع والزوابع"، ص: 125.