بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه، وتأهب لطلبه، أو ما هو لحسن ملاءمته، وإن كان مطلوبًا بهذه المنزلة وفي هذه الصورة" [1] ، فما جاء منه عفو الخاطر غير بائن الصنعة، أو شديد التكلف، رديء اللفظ، مبذول المعنى، فهو الغرة الشادخة في وجه الكلام، والبديع المؤثر في بلاغة البيان."
حلية الجناس في رسالة"التوابع والزوابع": -
اهتم أبو عامر بن شهيد في رسالته"التوابع والزوابع"بما تحمله من مضامين نقدية، أو مواقف أدبية، تثبت في مغزاها تفوقه كأديب ناقد، وفي سياق نصوصها وأسلوب بنائها براعته ككاتب مبدع، وإن انصرفت عنايته للمعنى فهو لا يجهل قيمة الإيقاع الصوتي في الكلام، فأتت رسالته مطعمة بحلى الجمال الفني، ومضمنة لألوان الإبداع الأسلوبي.
والجناس في علم البديع، لون من أجمل تلك الحلى البديعية، وفن بلاغي ولفظي ومعنوي بالغ التأثير والقيمة في التعبير، فما يحدثه من أثر إيقاعي وصوتي على أذن السامع والمتلقي، تجعله أشد"ميلًا إلى الإصغاء والتلذذ بنغمته العذبة، وتجعل العبارة على الأذن سهلة مستساغة، فتجد من النفس القبول، وتتأثر به أي تأثير وتقع من القلب أحسن موقع" [2] .
لذلك فقد آثر ابن شهيد استخدامه في رسالته"التوابع والزوابع"محتكمًا إلى بلاغته النغمية في السياق، وحرصًا على أن يبرز جماله اللفظي في الكلام , فكان له الأثر البين، والقيمة البلاغية البارزة، في وصف تمام القدرة الأدبية، وغاية الإبداع الفني في النظم والتأليف , خاصة إذا ما جاء في سياق التعبير عن إبداع الذات، وتفوق الموهبة، أو للتنبيه على مكانة الشعراء، أو الاستدلال بالصوت الموسيقي على الإعجاب ببناء الفن النثري للكتاب والأدباء، مما يكون معه التفات الأسماع، واستجماع الذهن للفهم، وإثارة النفس لإصدار الحكم على مدى أصالة القدرة الأدبية في القول، والتصديق بها.
(1) أسرار البلاغة، ص: 11.
(2) البديع في ضوء أساليب القرآن، د: عبد الفتاح لآشين، الناشر دار المعارف بمصر، الطبعة الخامسة، 1997، ص: 155.