الصفحة 152 من 232

الجناس بين بديع اللفظ وقيمة المعنى: -

يعتبر الجناس رائعة من روائع الإبداع الفني في التعبير الأدبي، وميزة من مزايا الوصف بالفصاحة والبيان، يسفر جمال صوته عن وجه من وجوه الإعجاز في القرآن، ويكشف أسلوبه عن سرِّ من أسرار لغة الفرقان، ظاهره فيه الإعادة والتكرار، وباطنه التجديد والابتكار، أساسه الانسجام التام بين المعاني في السياق، وإبداعه يكمن في تعدد الإفادة مع أن الصورة صورة التكرار والإعادة، وبلاغته في خداع السمع بإعادة جرس الصوت مع تضمنه أقصى غايات التجديد المعنوي.

عُرِفَ في مصطلح البلاغيين بفن الجناس والتجنيس والمجانسة، ويسمى"الكلام مجانسًا لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد" [1] ، وشرطه اتفاق الحروف في النطق بالصوت، وتحري التماثل بين هيئات الألفاظ , وأعداد حروفها وترتيبها، تماثلًا كليًا أو جزئيًا مخصوصًا، يثير نوعًا من التناغم الموسيقي المتميز، يبعثه تردد الصوت على مسامع القارئ وذهنه ليطلُّ كل نبرٍ منه بمعنى مختلف يأخذ بطرفٍ مغايرٍ من أطراف الكلام، ليشير إلى وجه بليغ من وجوه الإعجاز التعبيري، الذي توشحت به لغة التنزيل، وفضيلة بارعة في البيان تعلل اختيار العربية له كوسيلة للتعبير عن كلام العلي المنان.

والجناس في الكلام منهج بلاغي راقٍ، ولون بديعي من ألوان التحسين اللفظي، ومصدر من مصادر موسيقى القول في النص الأدبي، يجزئه عند الإشادة بقيمته الفنية ما قاله ابن الأثير مفصحًا عن وجه بلاغته في التعبير:"أعلم أن التجنيس غرة شادخة [2] في وجه الكلام" [3] ، فهو نعت ارتكز على أساس ما يحدثه من صور الجمال المبدع، وما يتركه من أثر على ذوق الناقد، والذي يرجع إلى مدى القدرة على تمام آلة البلاغة والفصاحة في الكلام، ويطلق كسمة بلاغية معجبة على كل جناس كان"المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه، وحتى تجده لا تبتغي به بدلًا، ولا تجد عنه حولًا، ومن هاهنا كان أحلى تجنيس تسمعه وأعلاه، وأحقه"

(1) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ج 1، ص: 241.

(2) الشادخة: من شدخت غرة الفرس شدوخًا اتسع بياضها، المعجم الوجيز مادة شدخ. فقد استعار ابن الأثير ذلك الوصف في الفرس لقيمة الجناس في الكلام استعارة مكنية.

(3) المصدر السابق، ج1، ص: 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت