الصفحة 116 من 232

غير أن الشاعر قد أتبع شعوره بالندامة والحسرة على خسران الدنيا عند اقتراب الموت إحساسه بالفخر بفصاحته وبلاغته وقدرته الشعرية على فائق الإبداع، وجميل النظم، إذ قال:"نيرات ما صدعت بها إلا وأظلم من أضوائها القمر"مما يقلل من الشعور بعمق موقفه الانفعالي الدال على الحزن والضيق من دعوى الفراق، وذلك ما أخذه عليه الدكتور حازم خضر في قوله:"ولو استطاع أبو عامر إغفال نفسه ولو قليلًا لكان بإمكانه نظم رثاء أقوى من هذا وأكثر تأثيرًا وأعمق معنى" [1] .

إذًا نجد أن تضمُن صياغات الكناية لإثبات المعاني بذكر الوسائط الدالة عليها، مما يجعلها أكثر حضورًا وثباتًا في نفس السامع والقارئ، كما أنها تتضمن المبالغة في الوصف والتصوير في أرقى أسلوب، وأوجز عبارة؛ وهي على ذلك أصل من أصول الفصاحة، وشرط من شروط البلاغة"أن يُراد معنى فيوضح بألفاظ تدل على معنى آخر، وذلك المعنى مثال للمعنى المقصود، وسبب حسن هذا مع ما يكون فيه من الإيجاز أن تمثيل المعنى يوضحه ويخرجه إلى الحس والمشاهدة، وهذه فائدة التمثيل في جميع العلوم، لأن المثال لابد من أن يكون أظهر من الممثَّل، فالغرض بإيراده إيضاح المعنى وبيانه" [2] .

فهي إذًا أشد دلالة على المراد وأعمق في الوصول إلى المعني والغرض من التصريح. فكانت"من ألطف أساليب البلاغة، وأدقها ... وأنها تمكن الإنسان من التعبير عن أمور كثيرة، يتحاشى الإفصاح بذكرها، إما احترامًا، للمخاطب، أو للإبهام على السامعين، أو للنيل من خصمه، دون أن يدع له سبيلًا عليه، أو لتنزيه الآذان عما تنبو عن سماعه" [3] .

والكناية عند ابن شهيد تشمل جميع الأغراض الشعرية وتعبر عن عميق المعاني النفسية والصور الحسية التي أراد الشاعر إيصالها للسامع والقارئ كما يجدها هو في قرارة نفسه؛ فهي تسير في منهجية خاصة، تتناسب والشخصية الشهيديه، في ظروفها وأحوالها، وقدراتها ومواهبها الفنية والوصفية، مما كان

(1) ابن شهيد الأندلسي حياته وأدبه، ص: 96.

(2) سر الفصاحة، لأبي محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي، شرح وتصحيح: عبد المتعال الصعيدي، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح وأولاده، 1389هـ، 1969م، ص: 223.

(3) جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، ص: 351.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت