لا وحقِّ الهَوى وحقِّ لَيالِيـ ... ـهِ ومن صاغ َحُسْن وجْهَك فَرْدا
ليصر على نفي ذلك الإدعاء نفيًا قطعيًا وصريحًا في قوله"ما أطيق الذي ادعيت"في كناية معبرة عن شدة ذلك الوجد وبالغ العجز في محاولة دفعه. وهذا مالا ينسجم مع قوله قبل"فلعلي إن شئت غيرت ودا"وهو مما يدل على اضطرابه، في إظهار الشوق أو التجمل في كتمانه.
وفي البيت الثالث والرابع يأتي القسم في قوله"لا وحق الهوى وحق لياليه ومن صاغ حسن وجهك فردا"ليعلل تأكيده لذلك النفي، وسبب العجز في تبديل الهوى بوجود سبب أقوى، وقدرة خفية مؤثرة في نفسه لا يملك لها ردًا أو دفعًا، وهي إرادة الله سبحانه وتعالى في ما أبدعه وصوره من حسن وجمال حبا به وجه ذلك الموصوف، ومما يتأخر بالصياغة هنا، ويخفف من الإحساس بمعنى الكناية والشعور بالصدق النفسي والفني فيها، أن الشاعر يزج بهذا القسم العظيم بجوار قسم آخر يقدمه عليه وهو حق الهوى وحق لياليه؟، وما يحمله من معنى المجون، والعبث الخلقي، مما كان سببًا في رفض النفس له.
ومن المستوى ذاته أيضًا أن تأتي الكناية لتحمل في صياغتها وتركيبها ما يكون به المعنى الكلي للصورة مضطربًا، وضعيفًا، كقوله مثلًا في تأبين نفسه [1] : -
إن أقضِكُم حقَّكُم مِن قِلَّةٍ عُمُري ... إنِّي إلى اللهِ لا حقٌ ولا عُمُرُ
لَهفِي على نَيِّراتٍ ما صدعْتُ بها ... إلاَّ وأَظْلَم مِن أَضْوائِهَا القَمرُ
فالندم والحسرة على ما فات، وبكاء سوء الخاتمة، وخوف القبر وعذابه العمل وجزائه، والبحث عن الرحمة في ذكر الإخوان، والترحم، هي معانٍ تكاد تطغى على رثاء ابن شهيد في صوره البيانية، المختلفة، والتي تسهم الكناية في الكشف عن جانب من معانيها، وذلك عندما يتعرض لبيان جانب من أسباب الندم والحسرة في نفسه، فيقول:"إني إلى الله لا حق ولا عمر"وهي كناية عن التفريط وضياع العمر دون فائدة مدخرة ترجى عند الرجوع إلى الله بعد الموت، وهو بلا شكّ سبب من أسباب ندمه وحسرته بعد أن تقضى ذلك العمر.
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 107.