الصفحة 114 من 232

فذلك الهجاء"لأبي جعفر بن عباس"يحمل معاني السخرية، اللاذعة، والإقذاع المؤذي، الذي يحوي جانبًا من الفكاهة في الصورة، والتندر في التعبير، ففي قوله:"تملأ شحمًا ولحمًا"كناية عن الغفلة في الفهم والقدرة على الكلام [1] ، وقد قيل قديمًا: إن"البطنة تذهب الفطنة"، وهي سبب من أسباب تأخر القول والفهم، ذلك ما صرح به ابن شهيد عندما أراد أن يهجو أبا جعفر، بالعي في الفصاحة، ولم يكتف الشاعر بذلك الوصف في التندر والسخرية، بل بالغ فنفى عنه صراحة أي صلة له بالأدب، فقال:"وما يليق تملؤه بالكتابة"إشارة إلى سوء ما يصدر عنه من تحبير وتعبير، على الرغم من تدرجه في مرتبة الكُتاب، وجمال الخط، وبراعة الإلقاء"مليح شبا الخط حلو الخطابة"فتلك أمور لا تعلق لها بالفكر والتأليف فهي صادرة عن الحس لا عمل فيها للعقل، والنفس، والموهبة الأدبية الناضجة، وكم من صحيح الكتابة لم يكن خطيبًا بليغًا.

وهذه الكناية في الهجاء أقرب للتصريح منها للخفاء والستر في الوصف بالبلادة التعبيرية، والبلاغية، وقد أتى الشاعر بها هنا على سبيل التعريض بأبي جعفر هذا، وهو الأمر الذي أضعف من جمال وتأثير الصورة الكنائية في السياق.

وأقل من ذلك في مستوى الأداء أن تأتي الكناية في سياق، مضطرب متناقض لا ترتضيه النفس، كقوله [2] : -

قُلْ لمن زاد إِذا تَباعد بُعْدا ... وتَناسى عهْدِي ولم أَنْسَ عهْدًا

لا يَغُرَّنْكَ ما تَرى مِن ودِادِي ... فَلَعلِّي إِنْ شِئْتُ غَيَّرْتُ ودَّا

لا وحقِّ الهَوى وحقِّ لَيالِيـ ... ـهِ ومن صاغ َحُسْن وجْهَك فَرْدا

ما أُطِيقُ الَّذِي ادَّعيْت ولَوْ مُلِّـ ... ـكْتُهُ لم أَكُنْ لغَيْركَ عبْدا

فالوجد، والشوق الذي تتكتم عليه نفس الشاعر وتتجمل في إخفائه بإظهار قوتها على تحمله وتغييره متى أرادت ذلك، في قوله:"فلعلي إن شئت غيرت ودًا"، يسيطر على نفس الشاعر، وقلبه، فما يلبث أن ينفي ذلك الحال ويدفع ذلك التصريح في البيت الأول دفعًا قويًا يؤكده بالنفي وتكرار القسم في البيت الثاني فيقول: -

(1) وهي من الكنايات الخفية التي أشار إليها القزويني في الإيضاح، ج 5، ص: 166.

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 105

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت