كناية عن نعيم الأرض وخيرها، وما ينبت فيها من رزق وقرى للنعاج والجآذر، إذ الخمط هو ثمر من الأراك له حملٌ يؤكل، والبرير هو ثمر الأراك والمراد الغض منه، وقيل هو أول ما يظهر من ثمر الأراك وهو حلو -؛ تشير إلى معنيين متناقضين في السياق مما يُضعف معها الإحساس بقيمة الكناية، وتمثلها لمعنى الجمال أو المنفعة، فكون الشاعر ينفي أن تقرى نعاج ذلك المسرح في الواديين البرير، والخمط، فهو يكني عن خير عميم، ورزق وافر يتميز به ذلك المكان، إذ يثبت بنفي البرير، والخمط، أن لها زرعًا آخر هو أفضل منه , وأكثر رواءً [1] ؛ أو هي من جانب آخر تعبر عن أن الوادي بسبب كثرة المطر وفيضانه انعدمت فيه الحياة، ومات نباته الذي يؤكل، وقلَّ بحيث لا تجد الجآذر وهي ولد البقر، والنعاج ما تأكله، من البرير، والخمط، وذلك كناية عن الجدب وموت الزرع لغرق الأرض بمياه المطر الكثير، ولم يحسم الشاعر الصورة هنا، فقد أسبقها بأبيات تصور الفراق، وتعرض لشجون النفس، ووليها بأوصاف للغمام وقوته على الأرض، إضافة إلى أن التركيب النظمي للصورة في البيت يحتمل توارد الوصفين على الذهن من أول وهلة لقراءة النص الشعري دون ترجيح لأحدهما.
ويقل تأثير الكناية في التصوير الفني، عندما يتضمن تركيبها على وصف يقترب بصياغتها من التصريح بالمعنى المراد، فهي عندئذ أجدر بأن تلحق بالمستوى الثالث في قيمة التأثير، وبلاغة التعبير.
كقوله يهجو أبو جعفر بن عباس [2] [3] : -
أَبُو جَعْفَرٍ رَجُلٌ كاتِبٌ ... ملِيحُ شَبا الخَطِّ حُلْوُ الخَطابَةْ
تَمَلَّأ ْ شَحْمًا ولَحْمًا وما ... يَلِيقُ تَمَلُّؤهْ بالكِتابَةْ
(1) كما يوحي بذلك الأبيات بعده: ومُرْتجِزٍ أَلْقى بِذِي الأَثْلِ كلكَلًا ... وحَط َّ بجَرْعَاءِ الأَبَارِقِ ما حَطَّا
سَعَى في قِيادِ الرِّيح ِيَسْمَحُ للصَّبا ... فأَلْقَتْ على غَيْرِ التِّلاعِ بِهِ مِرْطَا
ومازالَ يرْوِى التُّرْبَ حَتَّى كَسا الرُّبَى ... دَرانِكَ، والغِيطانَ مِن نَسْجِهِ بُسْطَا
يُنظر تحليل الأبيات ص: 61 من الدراسة.
(2) (*) هو أبو جعفر أحمد بن عباس وزير زهير الصقلبي صاحب المرية، قتلهما معًا باديس بن حبوس صاحب غرناطة سنة 429هـ، وكان أبو جعفر حسن الكتابة، مليح الخطابة، غزير الأدب، قوي المعرفة، جماعًا للدفاتر، حتى بلغت أربعمائة ألف مجلد. الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة , ق1م2, ص: 643 - 670.
(3) ديوان ابن شهيد، ص: 95.