ثم أن تلك الفتنة جائرة، منبوذة، فهي لم تترك للناس خيار اقتحامها، بل تجتاحهم بقوة وتأخذهم بشدة، بتوالي مصائبها، وتتابع أضرارها، فيتهور في مجابهتها من عُرف برباط الجأش، وسداد الرأي، وفي ذلك كناية عن حجم أذاها، وعظيم ضررها وشموليته؛ ولأن الفتنة مظلمة مدلهمة فقد أتت الألفاظ يغلب عليها الغرابة في المعنى والتصوير، ولعل ذلك يعكس إحساس الشاعر بغربته في تلك الفتنة، لكن المبالغة في الإغراب مما يخفف من التفاعل والتأثير بالصورة الكنائيه هنا، فاستخدامه للألفاظ الغريبة، والتعبيرات المستغلقة على النطق، والفهم، نحو قوله:"دريس الصوى، الخريت، مدلهمة، دوية، اعتسافها، وأدفافها"، إضافة إلى أنها صيغت في تراكيب لا يسرع إليها الذهن، ولا يدرك معناها الفهم من أول وهلة، مما يضعف الإحساس بالمعنى الكنائي فيها، ومما يعيب في الكناية أن يكون ذلك اللازم بين الشيء واللفظ بعيد التناول والحضور [1] .
ومن جانب آخر يختلف الموقف التصويري، فيختلف أسلوب الكناية في عرض الأوصاف، وذلك عندما تحمل معنيين متناقضين في سياق واحد، ولا تختص بمعنى منفرد، لتكون من قبيل المستوى الثاني في الأداء البلاغي للكناية، من ذلك قوله [2] : -
وإِنَّ هُبُوط َ الوادِيَيْن ِ إِلى النَّقَا ... بحَيْثُ الْتَقََى الجَمْعَانِ واسْتَقْبَلَ السَّقْطَا [3]
لمَسْرَحِ سِرْبٍ ما تَقَرَّى نِعَاجُهُ ... بَرِيرًا ولا تَقْرُو جَآذِرُهُ خَمْطَا [4]
فحياة البرية، والنعيم الفطري التي تشيع في ذلك المكان، والمتمثلة في جماداته، وكائناته الحية، هي ما اختار ابن شهيد أن يعرض لها كوصف لتصور خيالي لجمال الطبيعة الأندلسية، بكل ما فيها من الحياة، والخير، فهذه هي النظرة العامة والإجمالية لمضمون الصورة في السياق، غير أن صياغة الكناية هنا، في قوله:"ما تقرى نعاجه بريرًا ولا تقر جآذره خمطا"- فالخمط، والبرير
(1) يُنظر كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، ص: 370. بتصرف.
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 121.
(3) السقطا من سقط أي وقع من أعلى إلى أسفل، المعجم الوجيز مادة سقط والمقصود هنا ما يسقط من أعلى إلى قاع الوادي فيستقبله حيث تلتقي أطراف ذلك الوادي المنحدرة.
(4) البرير ثمر الأراك والمراد الغض منه، أو هو أول ما يظهر منه وهو حلو، والخمط ثمرٌ من الأراك له حملٌ يؤكل. وتقر من قرى الضيف إذ قدم له الطعام، والجآذر ولد البقر. لسان العرب مادة برير، خمط، قرر، جأذر.