الصفحة 111 من 232

ودَوَّيّة ٌ مِن فِتْنَةٍ مُدْ لَهِمّةٍ ... دَرِيِس الصَّوَى مَعْرُوفُهَا مُتَنَكِّرٌ [1]

إِذا جابَها الخِرِّيت في طُرُقَاتِهَا ... يَظَلُ بها أَعْمَى وإِنْ كانَ يُبْصِرُ [2]

تَرى ثابِتاتِ الحُكْمِ عِنْدَ اعْتِسافِها ... تَزلُ على أَدْفافِها فَتَهَوَّرُ [3]

فصورة الفتنة، بأضرارها، وفسادها يتكرر لدى الشاعر في هذه الأبيات، فهي مظلمة، كاحلة السواد، فيها من أسباب الضياع، ومظاهر الشتات، والهلاك معانٍ كثيرة، فهي صعبة التحمل قاسية السطوة على من في الحياة، يستحيل العيش في ظلها، فشبهها"بالدوية"وهي الأرض الغير موافقة للإقامة، وهي مظلمة شديدة الظلمة فعبر عن ذلك بوصفها بلفظ"مدلهمة"، ثم هي فتنة فادحة الخطب، لم يسلم من أذاها الأحياء ولا الأموات فظلمتها التي تُخفي ملامح القبر، يكنى بها الشاعر عن الخراب، ويرمز فيها إلى حالة التنصل عن الأصول والتنكر لأمجاد الأجداد، والآباء، وذلك هو الإيذان بالخراب والفساد العظيم، والمتجدد عبر الأجيال يأتي به التنكب عن طريق الحق والصلاح، والبعد عن الموروث من الأخلاق، وينص الشاعر على مظاهر تلك المصيبة في هذه الفتنة المزرية، فالمعروف فيها ينكر ويجحد، وهذا من أفظع صور الظلم، الذي يتصاعد الشعور فيه بالضياع، والحزن الكبير، ويشتد الألم في نفسه حسرة من انتشار الفساد، وخوفًا من الهلاك العظيم، فيتخيله في صورة تمثيلية، وهيئة محسوسة تعكس عمق ذلك الشعور الذي يجد صداه في نفس المتلقي، فاستعار لحال من يوصف فيها بالحكمة والعقل ونباهة الفهم، وقد أعجزه مصابها، وأضلته خطوبها عن النجاة وأسبابها؛ حال الدليل الحاذق بطرقات الأرض وأحوالها، وقد عمي وضاع عنه الاهتداء لطريق النجاة لشدة الظلام فيها، والإحساس بالخوف من أهوالها، وبالغ الشاعر في تصوير ذلك الضلال بأن وصف الحاذق بتمام القدرة على التصرف والإبصار وحسن التدبير"وإن كان يبصر"وهذا كناية عن بالغ الخراب وشدة الضياع والضلال، والفوضى العارمة، التي أتت بها تلك الفتنة.

(1) الدوية: أرض دوية غير موافقة للقيام فيها. والمدلهمة أي شديدة الظلمة، والدريس من درس أي عفا وذهب أثره، الصوى القبر والمعلم، راجع المعجم الوجيز مواد هذه الكلمات صوى، درس، دويت.

(2) الخريت وهو الدليل الحاذق الذي يهتدي إلى المضايق والمفازة المعجم الوجيز مادة خرت.

(3) الاعتساف الظلمة فيها والعسف هو الأخذ بقوة وعلى غير هدى، الإدفاف التتابع. راجع المعجم الوجيز مواد الكلمات عسف، دفف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت