الصفحة 110 من 232

ما يفتأ ابن شهيد يفخر بنفسه، ويذكر أوصاف المدح الذاتي، في شعره ونثره، فهو كريم الأصل عظيم الفعل.

والبيت هنا شاهد وحجة يتضمن صورة من صور التفاخر التي دومًا ما يتغنى بها الشاعر في ديوانه، فهو حميد الخصال، أبي النفس، عالي الهمة في المجد فلا يخون ولا يغدر على الرغم مما يجده من ألم الخيانة، وسوء السريرة، وتنكب الإخوان والأصحاب، وذلك غاية الوصف لحقيقة سلامة القلب، وبالغ معنى كرم النفس، وشرف الطباع.

فقوله"ليأمنني من كان عندي له سر"كناية عن حسن الخلق، وكرم الأصل، والوفاء بالأمانة، وهي كناية تأتي في سياق يظهر فيه المعنى قويًا مؤثرًا، إذ قدم الشاعر في الشطر الأول من البيت أسباب البغض والعداوة الموجبة لإثارة النفس، وحمل الأحقاد، وكشف الأسرار، والتهجين بين الناس، وذلك في سياق الكناية في قوله:"وإني على ما هاج صدري وغاظني"، فهياج الصدر والغيظ كناية عما كان يلاقيه من أذى وعداوة من الأصحاب، تثير في نفسه الأحقاد الدفينة، وتبعث على دواعي البغض، ومجابهة الخصومة.

فالمقابلة المعنوية في الصورة هنا تشير وتنبه إلى معانٍ عظيمة، وصفات نفسية عميقة، يوجزها ويلخصها الشاعر في التركيب المعنوي واللفظي، فقد كنى عن ذلك الخلق وأبان عن فضل تحليه به إذ جعله خُلقًا يوصف به في حال العداوة، فكيف به في حالة السلم والمعروف والمصاحبة، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على كرم الأصل وشرف النفس، وعلو الهمة.

وأقرب منها في الوصف ومما يضعف من أساليب الكناية في مستوى أدائه الفني، أن يتمثل السياق الشعري صورة واحدة لحال الفتنة"وهو الظلام والضياع في الوصول لسبيل النجاة"، في صياغة لا تخلو من غرابة الألفاظ، وبُعد الوصف التعبيري عن بلوغ غاية المعنى المقصود، كقوله [1] : -

(1) ديوان ابن شهيد، ص: 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت