الصفحة 109 من 232

ومن بديع الكنايات، وأبلغها أداءً، أن تأتي في سياق الهجاء، فيعبر بها عما يستقبح من التصريح، كقوله يهجو ابن الفرضي [1] ... [2] : -

ففي كُلِّ عَصْرِ مِن عُصُور حَياتِهِ ... تُثَلُ عُرُوشٌ أَوْ تُدَكَّ جِبالُ

فقد كني عن حجم ذلك الفساد والضياع القادم من جهة المهجو، في صورة مؤثرة محسوسة تعكس مقدار الضرر وشيوع الفوضى، وتحمل معاني الاستهجان، والسخرية اللاذعة ماثلة أمام القارئ محسوسة في نفسه وعقله، فقال:"تٌثل عروش، أو تدك جبال"، فزوال العرش كناية عن ضياع الحكم والفوضى، ودكُّ الجبال كناية عن الاضطراب المبالغ فيه، والهلاك الشامل للكون والمصاحب لنحس الوزير ابن الفرضي، وهو أشد دلالة على الضرر، والفساد من زوال العرش، فدك الجبال وتفتتها وزوالها أمر عظيم، ومصيبة جلل، يظهر أثرها باديًا للحس والعقل والنفس، وتجسيد ذلك النحس في صورة محسوسة كان له أكبر الأثر في معنى التناهي في السخرية والاستهجان.

والكناية في التعبير عن الهجاء من أرقى أساليبه، وأبدع معانيه في الوصف، فهي تأتي لتفصح عما يستهجن في التصريح به، من المعاني، وما يستقبح في الكلام عنه، و"من خواص الكناية أنها تمكنك من أن تشفي غلتك من خصمك من غير أن تجعل له إليك سبيل، ودون أن تخدش وجه الأدب" [3] .

ومن بديع الكنايات عند ابن شهيد الأندلسي ومن قبيل المستوى الرفيع في أدائها أن تصاغ في سياق المقابلة المعنوية، فتأتي معبرة، ومؤكدة لأدق تفاصيل الصورة مبالغة في الوصف، كقوله يفخر بنفسه [4] : -

وإِنِّي على ما هاجَ صَدْرِي وغاظنِي ... ليأْمَنُنِي مَن كانَ عِنْدِي له سِر

(1) (*) هو الفقيه أبو محمد عبد الله المعروف بابن الفرضي القاضي، كان حافظًا عالمًا كلفًا بالرواية، رحل في طلبها وتبحر في المعارف بسببها، مع حظ من الأدب كثير واختصاص بنظم منه ونثر، حج وبرع في الزهاد والورع، قتل في الفتنة مكلومًا"يُنظر مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس لأبي النصر الفتح محمد بن عبدالله بن خاقان، ص: 284، والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق 1 م2 ص: 614."

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 138.

(3) جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، ص: 354.

(4) ديوان ابن شهيد، ص: 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت