ورُبَّت كُتَّابٍ إِذا قِيل: زَوِّرُوا ... بكَتْ مِنْ تَأَنِّيهِمْ صُدُورُ الرَّسائِلِ
ونَاقِلِ فِقْهِ لم ير الله قَلْبُهُ ... يظُنَّ بأَنَّ الدِّين حِفْظُ المسائِل
فالشاعر يعتب على أبناء زمانه ضياعهم وسوء تدبيرهم، وانتشار الجهل بينهم - و"زوروا"أي حسنوا وثقفوا [1] -، فيقول إن الكُتاب في ذلك الزمان أحجموا عن الكتابة وبعدت بهم الشقة عن التأليف والتدوين، وحرف الجر"ربَّ"يفصح عن جانب من المعنى، فقد أفاد أن قليلًا منهم من يعرفون بالكتابة، وهم على تلك القلة منصرفة أذهانهم، ونفوسهم عن الكتابة والإبداع إلى ما يلهيهم، في ذلك الزمان الخرب، مما كان سببًا في إفساد التأليف والتعليم، وتنكب البلاغة، ذلك ما تظهره الاستعارة في قوله:"بكت من تأنيهم صدور الرسائل"فقد جعل للرسائل صدورًا تبكي على سبيل الاستعارة المكنية، إذ خمدت قدراتهم الفنية، والنفسية عن إدراك مواطن الجمال البلاغي، والفني في الكلام، بما انشغلت به وتولته من أمور الزمان، ولم يقتصر الفساد على الكتاب والأدباء في ذلك الزمن الرذيل، بل طغى على الوجود وشمل الكون، متمثلًا في ضلال حامل الدين والعقيدة، فقال:"وحامل فقه"كناية عن علماء الدين والفقهاء منهم خاصة - وقد هجاهم ابن شهيد كثيرًا في ديوانه، ورسائله -، وفي ذلك إلماح منه لفساد عظيم، إذ عبر عن فساد العلماء بقوله:"لم ير الله قلبه"فكنى بهذا عن النفاق والمداهنة في العلم ونشر الفضيلة، حتى ليردد العالم العلم بلسانه دون أن يمس قلبه، ودون أن يشعر بخوف من الله؛ وحب الدنيا، من أهم أسباب الضرر والدمار إذا ما تسلط على قلب العالم والداعية، وعندها يكون العالم في غفلة من تحصيل الفضل والأجر، كنى عن ذلك بقوله:"يظن بأن الدين حفظ المسائل"، فهو لا ينتفع، ولا يُفيدُ غيره، لأن حفظ المسائل لا يثمر ثمرات نافعة.
وصياغة صورة الكناية في الأبيات هنا أتت أشد وأعمق دلالة على الهجاء من التصريح بالضعف الفني بالنسبة للكُتاب، والخواء العقلي والنفسي في الدين بالنسبة للعلماء، حيث يثبت ابن شهيد لهؤلاء، وهؤلاء الضعف والعجز الناتج من الغفلة وسوء التقدير، فيكون الفساد أفظع والضرر أقوى؛ إذ سلب منهم كامل المعرفة ونسب إليهم الضعف والغفلة بعد أن بالغ في بيان استحكامهم لجل الأمر.
(1) يًُنظر لسان العرب مادة زور.