الصفحة 107 من 232

بفخره بنفسه وكرمه فهو لم يتوان في تقديم الضيافة للضيف، ومتابعة الكرم، وأداء حقه على الرغم من طول المدة، فقد قام على راحته فمد له المهاد ليوفر له الراحة وألحفه ليقدم له الدفء، فظهر ذلك النعيم باديًا على وجه ذلك الساري المتعب"فخداه بالصهباء تتقدان"وهي كناية عن بالغ الراحة، والحيوية التي انعكست على وجهه بسبب تلك الحياة الرغدة والشعور بالأمان، عبرت عنها الصورة بديعة في استعارة"التوقد"لظهور أمارات النعيم، والحياة الهانئة على وجه ذلك الساري استعارة مكنية، طوى فيها ذكر النار، ونص على ما يتوافق مع معنى الضياء، ومصدر الحياة وهو التوقد؛ ونتيجة لذلك الإكرام فقد أحب الضيف الإقامة عند ابن شهيد"وما انفك معشوق الثواء"كناية عن طول إقامته، وافتتانه بكرم الشاعر، والتي على طولها ودوامها لم يتطرق الملل فيها لنفس ذلك الكريم، أو تخف رغبته في العطاء فهو يمده ويسليه"ببشر وترحيب، وبسط لسان"ليدفع عنه الضجر والسأم والإحساس بالغربة، وهنا تأتي الكناية عن غاية الكرم النادر والشامل الذي يتحلى به ابن شهيد.

وجمال الصورة هنا إضافة إلى كونها تشمل جميع مظاهر الكرم التي يمكن أن يقدمها المُضيف للضيف، وتأتي على تقسيماته، وتفصل في عمق العطاء، من توفر الأمن والراحة بمظاهرها النفسية، والجسدية؛ فقد يظهر في السياق الإبداع البلاغي في التركيب الفني الذي يستخدمه الشاعر في التعبير، إذ يعبر عن بذل الكرم باسناد الفعل إلى نفسه دون طلب من الضيف، فيقول"رفعت، أجتره، ألقمته، ألحفته"، وفي الجانب الآخر للصورة - الضيف - نجد الطلب، وتمني لقي الخير، والإكتفاء، والرغبة في التواني عن عظيم الخير وكثيره، يُسند للضيف فيقول:"أقبل، وتشهى الترك، وونى"وفي هذا السياق تظهر بلاغة ابن شهيد في التعبير عن الكناية بعظيم الكرم، والعطاء.

ومما يعد من المستوى الأول في الأداء الكنائي للصور الشعرية، عند ابن شهيد الأندلسي أيضًا، أن تصاغ الكناية في سياق المعاني المصورة، وتتضمن المبالغة في عرض الوصف، كقوله يهجو أبناء عصره [1] : -

(1) ديوان ابن شهيد، ص: 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت