الصفحة 106 من 232

الشديدة البرودة، يأتي الدفء، دفء النار، ودفء الأنس، يمثله في السياق ابن شهيد بما عرض له من وصف، فقال"رَفَعْتُ لِسَاري اللّيْلِ نارينِ فارْتأَى شُعَاعَيْن ِتَحْتَ النَّجْم ِيَلْتَقِيَان"فلم يجعلها ابن شهيد نارًا واحدة بل نارين وفي ذلك تأكيد على الترحيب، فهي مصدر إرشاد للساري، ومنضج طعامه، ومكمن دفئه، وقد وصفها بأنها"شعاعين تحت النجم يلتقيان"وربما يقصد بالنجم هنا الثريا، أو القمر، وإيًا كان فإنما أراد قوله إن ضوء تلك الشعاعين يرتفع ليتصل بشعاع النجم في السماء، وذلك من المبالغة في الترحيب، وإكرام الضيف القادم من ذلك المكان المقفر والذي كان شعاعا النار فيه دليل على وجود الشاعر وقدرته على فضل استقبال الضيوف؛ وفي الجانب الآخر يأتي ابن شهيد على وصف ذلك الساري ليكمل بها الصورة المدله على كرمه، فقال"أقبل مقرور الحشا"فأحشاؤه باردة، فارغة من الطعام، في ليل لا يجد فيه من يمد له يد العون، وفي جو يصخب من البرد، عندئذ"لم يكن له بدفع صروف النائبات يدان"فقد كان ضعيف الجسم والنفس بلغ منه اليأس مبلغًا عظيمًا تركه بعدها خائر القوى الجسدية والعقلية، وهذا الوصف الدقيق النفسي، والجسدي لذلك الساري في تلك البيئة البارة الخالية من الإنس تأت لتعبر عن عظيم فعل ابن شهيد وبالغ كرمه وحسن وفادته، فقد كانت في تلك الآونة دخان ناره عالية حتى لقد تعرف عليها الساري، بغير دليل، وما أعقبها من المبادرة والحرص من قبل ابن شهيد على بذل الكرم والعطاء لذلك الضيف المنهك، المتهالك،"فملت به أجتره نحو جمرة لها بارق للضيف غير يمان"؛ ثم يشرع ابن شهيد في عرض ما قدمه من أسباب الضيافة، وموجبات الإكرام الذي شمل جميع ما يطلبه الضيف، ويمكن أن يقدمه المُضيف من أكل وشرب وراحة، عرضت لها معاني الأبيات على التوالي من قوله"فإذا ما حسا"إلى آخر الأبيات، إذ لم يكتف ابن شهيد بأن قدم له الطعام المتنوع ليأكله، بل كان يطعمه بيده من أطيب الطعام، وألذه،"ألقمته كل فلذة لفرخة طير أو لسخلة ضأن"وفي ذلك كناية عن المبالغة في الكرم الذي قدمه لذلك الساري؛ ثم يصف حاله بعدها ليؤكد ما ذهب إليه من المبالغة في فضل البذل والسخاء"فما زال في أكل وشرب مدارك إلى أن تشهى الترك شهوة واني"فابن شهيد ما يزال يقدم الطعام دون كلل أو ملل أو قلة، إلى أن شعر ذلك الضيف بالاكتفاء فـ"تشهى"ترك الأكل رغبة من تعب ووني من كثرته، وفي المقابل لم يفتأ ابن شهيد من أن يذكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت