فما زالَ في أَكلٍ وشُرْبٍ مُدارَكٍ ... إِلى أَنْ تَشَهَّى التَّرْكَ شَهْوةَ وانِي [1]
فأَلْحَفْتُهُ، فامتَدَّ فَوْقَ مِهَاِدِهِ ... وخَدّاهُ بالصَّهْبَاءِ تَتَّقِدان ِ [2]
وما انْفَكَّ مَعْشُوقَ الثِّواءِ نَمُدُّهُ ... ببشْر وتَرْحِيب وبَسْطِ لسان ِ [3]
فالكرم وصف نفسي تغنى بفضائله الشعراء في المدح، والفخر، وهو عند ابن شهيد الأندلسي يأخذ من نفسه المترفه، وينطبع بشخصيته المتكبرة، إذ يُعبر عن ذلك العطاء الذي بذله لعابر السبيل في سياق متميز يبين فيه عن قيمته النفسية، وعظيم وقعه الحسي على ذلك الساري في الليل، رسم فيه صورة للمكان الذي يعمه الوجوم، والرهبة وقد دام فيه القرُّ، وهبت تتجاذبه الرياح الشديدة المتفرقة، بقوة وقسوة، وهي تحمل من الألم والمعاناة ما تصوره الاستعارة المكنية في قوله"تلتطمان"إذ طوى ذكر المشبه به"الإنسان"، وأتى على شيء من صفاته، وهو"اللطم"في سبيل الكشف عن الشدة في الضرر الحاصل بسبب تلك الريح، وهضاب ذلك المكان القارص غطتها الثلوج، تخيلها الشاعر في وصف جمالي محس ومجسد يكشف عن شدة البرد، فاستعار لهيئة الهضاب"هيئة الصلع"وهو من صفات الإنسان استعارة مكنية، ثم تخيل أن ذلك الثلج قد لفَّ تلك الهضاب فكان أشبه بالعمائم تلفُّ الصلع، على سبيل الاستعارة المكنية أيضًا، تجاوز فيها عن ذكر المشبه به"الانسان"إلى ذكر شيء من خصائصه،"الصلع"أولًا، و"العمائم"ثانيًا، ويأتي ابن شهيد على غاية المبالغة في تصوير شدة البرد في ذلك المكان، فينصَّ في البيت الثاني على أن ذلك الوصف هو لليوم الثاني من أيام برد العجوز وهو"الصنبر"وزيادة في المبالغة فقد شخصه بأن استعار له"اليدين"استعارة مكنية طوى ذكر المشبه به وذكر شيء من لوازمه"اليدين"وجعلها تبتدران ذلك المكان، وتتسارعان في الأخذ بأطرافه لتلفه بالثلج كالعمائم، وفي ذلك كناية عن شدة ذلك البرد، وقوة تأثيره على المكان الجامد، فكيف بحاله على الإنسان الحي المتحرك؟ ومن بين ثنايا هذه الصورة
(1) ونى من الأمر ضعف وكلّ وأعيا، المعجم الوجيز مادة ونى.
(2) المهاد الفراش، الصهباء من صهب اللون صهبًا كان أصفر ضاربًا إلى حمرة وبياض، المرجع السابق مادة مهد، صهب.
(3) ثوى بالمكان وفيه ثواء أقام واستقر، المرجع السابق مادة ثوى.