الصفحة 104 من 232

أَفْدِي أُسَيْماءَ مِن نَدِيم ٍ ... مُلازِم ٍ لِلْكُؤوس ِ راتِبْ

فالصورة في البيت تمثل وصفًا حيًا وحسيًا لما يحدث في الحانات من دعوى الإسراف في الشرب والبذل السخي في سبيل الحصول على الخمر، كما تعكس من ناحية أخرى واقعًا صادقًا وعميقًا لطبيعة الحياة الشخصية اللاهية والمترفة التي عايشها ابن شهيد الأندلسي، والتي كان مقبلًا فيها على العبث والمجون، وصف ذلك الحال في أبلغ صياغة، وأدق دلالة على المعنى في قوله:"ملازم للكؤوس راتب"فهي كناية عن كثرة الشرب واستمرارية السكر؛ ومداومة دوران كؤوس الخمر، بما هو دليل عليه من الأوصاف والأحوال وهو ملازمة الكؤوس،"وكلما كانت الكناية مرتبطة بصورها الحقيقة كان ذلك أكثر دلالة على عفويتها، وتلقائيتها، وكانت أجدر بالحسن واللفت والتأثير" [1] .

ومن رفيع مستوياتها الأسلوبية في شعر ابن شهيد، أن تشتمل على التفصيل في الصورة، وتبين عن تقسيمات متعددة في المعنى، بما يتضح معه الغرض، وأن تصاغ في سياق إبداعي وخيالي، فني مؤثر وجميل، كقوله يصف كرمه، وقدرته على العطاء، وإن كان هذا المعنى مما توارد عليه الشعراء، وأخذ في التطرق له الأدباء، يقول [2] : -

ولمّا رأَيْتُ اللَّيْلَ عَسْكَرَ قُرُّهُ ... وهَبَّتْ له ر ِيحان ِ تَلْتَطِمَان [3]

وعَمَّمَ صُلْعَ الهُضْب ِمِن قَطْر ِثَلْجِهِ ... يَدان ِ مِن الصِّنَّبْر ِتَبّتَدِرِان ِ [4]

رَفَعْتُ لِسَاري اللّيْلِ ناريْنِ فارْتأَى ... شُعَاعَيْن ِتَحْتَ النَّجْم ِيَلْتَقِيَان

فأَقْبَلَ مَقْرُورَ الْحَشَا لم تَكُنْ له ... بدَفْع ِصُرُوفِ النَّائِبات ِيدان

فقُلْتُ: إِلى ذاتِ الدُّخان ِ، فقالَ لي: ... وهل عُرفَتْ نارٌ بغَيْر ِ دُخَان ِ؟

فمِلْتُ به أَجْتَرُّهُ نَحْوَ جَمْرَةٍ ... لها بارِقٌ للضَّيْفِ غَيْرُ يَمان ِ

إِذا ما حَسَا أَلْقَمْتُهُ كُلَّ فِلْذَةٍ ... لفَرْخةِ طَيْرٍ أَوْ لسَخْلة ِ ضأن ِ

(1) أساليب البيان والصورة القرآنية دراسة تحليلية لعلم البيان، ص: 401.

(2) ديوان ابن شهيد ص: 113.

(3) القرّ البارد من كل شيء، عسكر القوم في المكان تجمعوا، وعسكر القرُّ أي دام على سبيل المجاز في التعبير، المعجم الوجيز مادة قرّ، عسكر.

(4) الصنبر هو اليوم الثاني من أيام برد العجوز، تبتدران من بدر إلى الشيء أي أسرع، لسان العرب صنبر، وبدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت