وعمر بن معد يكرب [1] . عرض الشاعر عند تصوير مظاهر تلك الشجاعة للمبالغة في الكناية عن حقيقة هذا المعنى، في صياغة أدق تمثلًا لحال القوة في ممارسة الحروب، وأبين لمعنى السطوة الدائمة على الأعداء في قوله:"لهم أيام حرب كثرت في عداهم داعيات الحرب"فهي كناية عن انتصارات متوالية، وحروب متواصلة كانت لهم فيها أيام تؤرخ إقدامهم، وتكني عن مدى قوتهم وشجاعتهم الأصيلة؛ والتي في ذات الوقت تثير تجاههم الأضغان، وتذكي أحقاد الأعداء، فيشتد طلبهم لملاقاتهم وتكثر أسباب معاداتهم ومحاربتهم، فتظهر مع تلك الكثرة والتداعي في خوض المعارك ملامح القوة، ومظاهر الشجاعة، عندما يكون النصر فيها حليفهم الدائم.
والصورة هنا من أساليب الكناية البديعة عند ابن شهيد فهي من الوضوح في المعنى والدلالة على الغرض بحيث لا يستدعي ذلك كدّ الذهن، ومصانعة الخيال والنفس في فهم الغرض منها.
إلى جانب ذلك، فإن"الصفة إذا لم تأتك مصرحًا بذكرها، مكشوفًا عن وجهها، ولكن مدلولًا عليها بغيرها، كان ذلك أفخم لشأنها، وألطف لمكانها، كذلك إثباتك الصفة للشيء تثبتها له، إذا لم تلقه إلى السامع صريحًا، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية والرمز والإشارة، كان له من الفضل والمزية، ومن الحسن والرونق، مالا يقل قليله، ولا يجهل موضع الفضيلة فيه" [2] . وهي في المدح هنا أكثر دلالة على معنى القوة في وصف الشجاعة، والقدرة، النابعة من جزالة النظم، والمتناسبة مع معنى التميز في غرض المدح العامري الذي يعرض له ابن شهيد.
ومن المستوى ذاته أن يأتي لفظ الكناية واضح الدلالة على حقيقة المعنى، وآكد في تمثله، وحضوره في ذهن القارئ، ونفسه، كقوله [3] : -
(1) (*) هو عمر بن معد كرب بن عبد الله بن عمرو بن عصيم بن عمرو الزبيدي، شاعر وفارس مخضرم، أسلم في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وارتد مع من ارتد من أهل اليمن، ثم انتقل إلى العراق وعاد إلى الإسلام وشهد القادسية، وغيرها، مات في عهد عثمان وقد أصابه الفالج، وقيل أنه قتل أثناء افتتاح نهاوند، وكان أحد من يصدق عن نفسه في شعره، وهو صاحب الصمصامة أحد السيوف المشهورة، انظر معجم الشعراء، د. عفيف عبد الرحمن، دار العلوم للطباعة والنشر، 1403هـ، 1983م، ص: 258.
(2) دلائل الإعجاز، ص 306.
(3) ديوان ابن شهيد، ص: 94.