الأدب العربي، غير أننا لا نعدم مع ذلك من أن نجد له إلى جانب ذلك سمة من التجديد الفني والخيالي، النابع من حقيقة كونه شاعرًا مطبوعًا، وموهبة أدبية متوقدة، يخضع فيما ينظم لطبيعة عصره، ومقتضيات زمانه، وقدراته الفنية والخيالية، التي تتميز في طرق صياغتها، ومعانيها، ونسق تراكيبها؛ عن غيره من معاصريه، وملهميه، وهي سمة يجعل منها ابن شهيد حجة بائنة لحاسديه يثبت فيها قدرته وبراعته الأدبية في الإبداع الفني نثرًا كان أم شعرًا.
أما عناصر الصور الكنائية في ديوانه، فيستقيها من المدركات الحسية، والأمور العقلية، التي تكون في التصور أشد حضورًا للنفس، وأبلغ تأثيرًا وتمثلًا للعقل، والخيال، وهذا غاية الأدب وأساس من أسس الإبداع الفني في التعبير.
وإذ كانت كنايات الشاعر تنبع من نفسه، وتتأثر في قوالبها وصياغاتها بأفكاره الذاتية، ومواقفه النفسية، وأغراضه الشعرية، فلا بد أن تتناسب مع تنوع تلك الأفكار، والأحوال الانفعالية، وتعدد الأغراض الوصفية، والشعرية، فتتباين لتباينها، في القوة والضعف، والمبالغة، وفي حسن التعبير، ورداءته، وهو الإطار الذي يتمثل فيه تنوع مستويات الأداء البلاغي للكناية في شعر ابن شهيد الأندلسي.
فمما يعدُّ من المستوى العالي في الأداء البلاغي، والتعبير الشعري للصياغات الكنائية عند ابن شهيد، أن تفصح الصورة عن عمق الإحساس عند المدح، بعرض صفات القوة والشجاعة في الحرب بما هو آكد في الدلالة عليها من الأوصاف والألفاظ، كقوله يمدح عبد العزيز المؤتمن [1] [2] : -
لهُمُ أَيّامُ حَرْبٍ كَثَّرَتْ ... في عِداهُمْ داعِياتِ الحَرَبِ
لم يُطِقْ عامِرُ قِدْمًا مِثْلَها ... لا ولا عَمْرُو بن مَعْدِ يكَرِب
فلعبد العزيز المؤتمن عند ابن شهيد منزلة خاصة، ومكانة مرموقة، فهو في الحرب وميدان البسالة سليل الفرسان، وربيب الشجاعة والقوة، تشهد له بذلك وقائعه وأيامه في الأعداء، والتي تفوق في قوتها، ووطئتها حرب الأقدمين من بني عامر،
(1) (*) سبقت ترجمته ص: 37.
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 92، 94.