وفي هذا تتفاوت القدرات، وتتباين الأفهام في إدراك الغايات، عند طرفي الإبداع في الفن الأدبي"المبدع، والمتلقي المتذوق"، إذ تمثل في جانب منها عمق نظرة الشاعر لأدق التفاصيل، والأوصاف، وقدرته على إدراك العلاقات، والتعبير بها عن معانيه وأغراضه، في جمال فني وحسن رصف تعبيري، وتمثل من جانب آخر حدود ثقافة المتلقي، وسعة آفاقه الخيالية، وحسه البلاغي والفطري، في قدرته على فهم التراكيب والوصول بها إلى معنى المعنى، واستنتاج الغرض، والغاية من النص.
إذًا فالكناية هي اللون البلاغي المشتمل على الجمال الفني، والتصويري، والإبداع الأسلوبي في عرض المعنى الصريح، الذي يجمع في تركيبه بين الحقيقة والخيال؛ حقيقته في إثبات دلالة الردف على الغرض، وخياله في نسق صياغاته للمعاني النفسية والعقلية في النصوص الأدبية، فـ"حد الكناية الجامع لها هو أنها كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة والمجاز بوصف جامع بين الحقيقة والمجاز" [1] .
وهي إضافة إلى ذلك تعتبر اللون البياني في البلاغة التصويرية، المتضمن على الحجة في الكلام، فهي تسوق المعنى مدعمًا بالإثبات والدليل، وهذه صيغة فنية مؤثرة، وميزة في بلاغة القول، يأتي بها نسق الكناية فضلًا عن غيرها من الألوان البيانية، فالقارئ الناقد"يعلم إذا رجع إلى نفسه، أن إثبات الصفة بإثبات دليلها وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجًا غفلًا وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة، ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك فيه ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط" [2] ، لذلك فلا نجد أديبًا بارعًا، وناظمًا مبدعًا إلا وقد نسج في أسلوبها، وتفنن في صياغاتها، فجاء بها نظمه مثار الإعجاب، ومعانيه وأغراضه بالغة التأثير.
(1) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ج2، ص 182.
(2) دلائل الإعجاز، ص 72.