الصفحة 99 من 232

الكناية وبلاغة التعبير المعنوي: -

ومن أساليب الإبداع الأدبي في التعبير، ومن أسرار البلاغة العربية في الكلام، أن يأتي المعنى في سياق التراكيب البيانية المتجددة، وصياغات الصور الخيالية المتميزة، التي تُخفي في نصوصها، معاني إنسانية عميقة، أو أغراض فنية متداولة، وعندئذٍ تكون مثارًا لتشويق السامع وسببًا في جذب الانتباه، وإذكاء العقول، وإعجاب الألباب.

والكناية من تلك الأساليب التي توفر للنظم خلابة التعبير وفصاحة القول، إذا تنحي بالأديب والقارئ عن قبح المعاني، وسفاسف التصريح، ورداءة النسج، وسوء النظم، وهذه غايات معنوية ولفظية، يأخذ أسلوب الكناية في البلاغة العربية بطرف كبير ومؤثر منها فيما يعرض له من صور معنوية وأغراض فنية، وأوصاف شعرية؛ فاصطلاحه في فنِّ البيان ينص على"أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومي به إليه ويجعله دليلًا عليه" [1] .

ذلك الردف والتالي هو الوصف الأكثر خصوصية في الدلالة على المراد، والأعمق بيانًا لمغزى المتكلم في السياق؛ وهو مناط الحكم بالقدرة الأدبية، ودليل تفاوت الموهبة الإبداعية، ففي الوصول إلى دقته، وعمق صياغته البلاغية المتناسبة مع الغرض الفني، يكمن سرُّ تفوق الأديب على الأديب، وجوهر تباين القدرات الخيالية في إبداع النظم والتصوير، إذ تتجلى الموهبة الأدبية، والثقافة العقلية والتكوين النفسي للأديب في براعة أخذه بالتعبير الأنسب، والأقدر دلالة المتضمن على غاية الوصف ومنتهاه، في نسيج من الإيجاز الأسلوبي، والعمق المعنوي، وخصوصية التعبير الفني، التي ترتبط بنفس القائل وفكره، وموقفه الانفعالي والشخصي،"فإذا كانت الكناية معنى المعنى فإن لفظها محتمل للمعنى، ومعنى المعنى في الوقت ذاته، فمن وقف على المعنى فهو في إطار الحقيقة ومحيطها، ومن انتهى إلى معنى المعنى فقد تجاوز الحقيقة والتعبير المباشر" [2] .

(1) دلائل الإعجاز، ص: 66.

(2) الكناية، تأليف محمد جابر فياض، دار المنار، الطبعة الأولى، 1409هـ، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت