فيما يشير عبدالرحيم أبو بكر إلى (نوع من التنبه والإحساس الوطني، تمثل في تلك الحركة التي قام بها بعض أهل المدينة المنورة ضد المحافظ التركي علي باشا في عام 1324هـ، حينما أراد هذا الأخير بغطرسته التركية إذلال أهل المدينة ببعض تصرفاته الحمقاء، وأدت تلك الحركة بالقائمين بها إلى محاكمة كانت نتيجتها إدانة أربعين رجلًا من أعيان المدينة وعلمائها، وأمر السلطان بإبعادهم إلى الطائف مصفدين بالحديد، ولم يقبل شفاعة أحد فيهم، لأنه أخذ عنهم فكرة سيئة، وهي إسقاط الخلافة العثمانية وإسنادها للعرب، وقد مكث أولئك الرجال في سجنهم ثمانية عشر شهرًا.
وقد كان للسيد أنور عشقي أحد الشعراء المدنيين المعتقلين قصيدة في هذه المناسبة منها قوله:
نُساق للسجن لا جرم ندان به ... إلا تلافيق زور من ذوي الفتن
كنا نطالب بالعدل الذي حُرمت .. ... منه المدينة دار العدل والمنن
أي الذنوب اللواتي نستحق بها .... ... هذاالعقاب سوى الأغراض والإحن [1] ...
وفي ذات السياق ذهب الشاعر عمر الداغستاني إلى مصر ـ وكانت مصر ملاذًا نفسيًا وثقافيًا للأدباء الحجازيين آنذاك ـ وعندما ضجَّ في روحه الحنين إلى المدينة، بعث إلى والده قصيدة يُحمِّلها حنينه إلى المدينة ومنها قوله:
سقى الله جيران العقيق ولعلع ... ملث سحاب هامع العطر هاميا
وحيا مغاني الأنس أوفى تحية ... تدوم لهم مادام شوقي وافيا
سقى ورعى أيامنا ولياليا ... تمضت بوصل في حماها حواليا
لقد هاجني التذكار نحو ربوعها ... كما هاجت الأرواح ورقًا شواديا [2]
(1) المرجع السابق صـ 24 .
(2) عبدالرزاق البيطار، حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر ج2 ص126، 1961م مجمع اللغة العربية بدمشق ، وعبدالرحيم أبو بكر مرجع سابق صـ 77 .