على أن استثمار المكان في نتاج هؤلاء الشعراء في تلك الفترة ـ التي حددناها وهي (المائة عام) ـ كان استجابةً للواقع السياسي والثقافي آنذاك، بمعنى تواري المكان بوصفه مكونًاجماليًا وتشكلات رمزية، يُعاد استنطاقها في النسيج الشعري، ويظفر قارئوه بظهور جلي للمكان،دون وعي أو استيعاب لما يرمز إليه من قيمة وثراء؛ ليظهر هذا المكان شعريًا؛ تعبيرًا عن الواقع السياسي في نصوص شعراء تلك الفترة [1] . وإن كان (عاصم حمدان) يرى (أن شعراء تلك الفترة استعادوا تاريخ المدينة الماضي، في محاولة ذكية لمقارنته بالوضع المأساوي التي تعيشه في الحقبة العثمانية) [2] ؛ فإن هذه (الاستعادة) تمثل نتيجة لما ذكرناه من سحب ظلال الواقع السياسي على الحركة الثقافية والشعرية بالمدينة؛خلال الفترة التي أشرنا إليها.
أما الشعراء الذين يعوّل عليهم (عبدالرحيم أبو بكر) ؛ في تمثيل النهضة الأدبية في الحجاز في القرنين الثاني والثالث عشر،فإن جُلَّهم من شعراء المدينة المنورة، وهم كما يراهم (يمثلون إرهاصات النهضة ومطالع التطور الأدبي في الحجاز الحديث. وقد استطاعوا أن يمثلوا مرحلة الانتقال إلى النهضة بفنهم الشعري) [3] .
وقد ظل الواقع السياسي في هذه الفترة يلح على شعراء المدينة، وكان تبرمهم من الهيمنة العثمانية على المدينة واضحًا لديهم بشكل عام، يعبر عنه واحد من أبرز شعرائها وهو (إبراهيم الأسكوبي) الذي ذاع صيته عبر قصيدته الشهيرة التي ناوأ فيها (آل عثمان) وعبَّر فيها عن واقع مرير، ودفع ثمنها من حريته حيث أُعتقل وأرسل إلى الأستانة.
(1) بمعنى الوجود التاريخي والواقعي المجرد للمكان لدى أولئك الشعراء، دون أن يستثمروا طاقاته الجمالية في نسيج تجاربهم الشعرية،وهو أحد إشكاليات هذه الدراسة.
(2) عاصم حمدان مرجع سابق صـ 107 .
(3) عبدالرحيم أبو بكر مرجع سابق صـ 85 .