وفي هذه الفترة المحددة بالقرن الثاني عشر الهجري، يرى (عبدالرحيم أبو بكر) أنها أدت بالشعراء إلى استثمار قدراتهم الذاتية وما يتاح لهم من فرص القراءة والاطلاع، وهو مالايتوافق بحال مع حياة التخلف الثقافي الذي فرضته الإدارة السياسية العثمانية على المدينة؛ وهو مايعني توافر البواعث الذاتية لكتابة (الشعر) تحديدًا؛ لبعض شعراء تلك الفترة، ممايجعل تجاوزهم لأزمة واقعهم الحياتي، إشارة رامزة للتوق إلى التعبير الشعري، ومناهضة الظلم، وعدم مخادنة السلطة أو ممالأتها، وهي دلالة ثقافية وسياسية، تأخذ شكلها المعبر عن رمزية المكان؛ كدافع لتلك الحماسة الثقافية التي عبرَّ عنها الأدباء شعرًا، من خلال نصوص شعرية تحمل الرؤية والموقف،وليس المضمون الجمالي فقط؛ بفضل الباعث الذاتي الكامن في النفس، ومكونات المكان الثقافية في مستواها الشعبي العام، وتبدياتها التي كانت بمعزل عن دعم مباشر أو غير مباشر من لدن سلطة العثمانيين؛ الذين لم يكن يشغلهم الشأن الثقافي بوصفه تعبيرًا عن قيم اللغة العربية ونظامها المعرفي.
وإنما شغلهم دعم ركائز حكمهم السياسي، وتوطيد ولاء الحجاز لهم، وما يستدعيه ذلك من قمع الأصوات المعارضة، أو الهمم المنافحة عن وجودها واستقلالها، والتي اتخذ بعضها التعبير الشعري أداة لتلك المعارضة.
وقد (شهدت بيئة المدينة المنورة الأدبية في حقبة القرن الثاني عشر الهجري؛ حركة شعرية حاولت أن ترتفع إلى أفق الأحداث التي عاشها المجتمع في تلك الفترة. ولا شك أن ماتنطق به نصوص هذا الشعر من استبطان لبعض نوازع النفس الإنسانية، ونقد لواقع أليم يعيشه الفرد في ذلك المجتمع، وإبراز لأخطاء قاتلة يقع فيها من وضعت فيهم ثقتها وحملتهم أمانتها، ولذلك اتخذ شعراء هذه الحقبة التصوير أداة لتجسيد الوضع السيئ التي أضحت عليه مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ) [1] .
(1) المرجع السابق صـ 512 .