وبالرغم من التطور والتجديد النسبيين، الذي حفلت به تجربة هؤلاء الشعراء، وهو مايشاكل الصورة النمطية للشعر العربي الكلاسيكي، فإن المدينة المنورة؛ كمكان ومكوَّن جمالي؛ جاء خلفية واقعية مجردة في نصوصهم الشعرية؛ لم يستثمر الشعراء غناها الجمالي وثراءها الثقافي في إنتاجهم بصوره معمقة، تستوحي قيم المكان الجمالية، ولم يتجاوز هؤلاء الشعراء واقعهم؛ استشرافًا لمكانتها الحضارية أو استيعابًا لمكوناتها الثقافية والاجتماعية؛خلال مائة عام (منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري وحتى النصف الأول من القرن الثالث عشر) .
ويمكننا القول بأن جلَّ الشعر في هذه المرحلة، قد عُني بالمكان المباشر، وسجَّل المكان الواقعي، وبرزت الملامح التسجيلية والأبعاد التصويرية التقليدية للمكان، وبرزت الصورة الكلية النمطية له، من خلال شعر المناسبات والإخوانيات والوصف، والمديح، والأغراض التقليدية في الشعر العربي، وبعض النصوص ذات الاتجاه السياسي، والإصلاحي.(ولم تكن البيئة الثقافية والفكرية في الحجاز خلال العهد العثماني الطويل، وبخاصة في العهد الأول منه، لتسمح بظهور نشاط أدبي ممتاز، يفرض وجوده واتجاهاته، وذلك لأن البيئة كانت محرومة من العوامل القوية المساعدة على استئناف النهوض والتقدم.
وإذاعة روحهما بين جيل هذا العهد بقوة، ولهذا كاد الشعر في هذا العهد المظلم يجود بأنفاسه؛ لولا جهود بعض الشعراء الذين حافظوا بإنتاجهم على وجود هذا الفن، ترفدهم في ذلك بعض الوسائل أو الوسائط الثقافية المحدودة التي أتيحت لهم) [1] .
(1) عاصم حمدان ـ صفحات من تاريخ الإبداع الأدبي بالمدينة المنورة، مطابع شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر، جدة الطبعة الأولى 2001م.