ولم يقتصر الاهتمام بالعقيق على الشعر، بل صاغ الباحثون والكتاب رؤاهم حول مكانته التاريخية والثقافية، والتي كان المعيار الجمالي محورها الذي أقاموا عليه عماد رؤاهم، وفي هذا السياق يقول محمد حسين هيكل (.. وإذا ذكر العقيق من أودية المدينة؛ نسي الناس كل وادٍٍٍ للعقيق سواه،فقد كان له في أنباء التاريخ من الذكر ماجعله وادي النعمة وخفض العيش والترف، يترنم الشعراء بمحاسنه ويقص الرواة أنباء ما انطوت عليه قصوره، فلم يكد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينزعه من بلال بن الحارث ويقطعه الناس، حتى تنافس الذين ملكوا العقيق في غرسه بساتين وجنات جعلته بهجة للناظرين [1] . على أن الوعي بقيمة(المكان/المدينة المنورة) ،أو بالعقيق كمكون شعري ثر،واستثماره جماليًا في التجربة الشعرية،لم يتجلى بشكل واضح،إلا لدى شعراء القرن الرابع عشر.. حيث كانت الفعاليات والأنشطة الثقافية الناهضة، التي رسَّخت في ذاكرة أبنائه الكثير من التقاليد الثقافية والاهتمامات الفكرية والمعرفية، وأضفت نتائجها على الأدباء وشكَّلت اتجاهاتهم، على نحو بدت معه الحركة الثقافية فاعلةً وثرَّةً ومعطاءة، مما انعكس على طبيعة الأداء الشعري ومستويات عمقه وتأثيره، ولا سيما عندما آل الاضطراب إلى الاستقرار، وتحولت آثار النزاع السياسي على المدينة المنورة بين آل عثمان والأشراف ـ ذلك النزاع الذي ألقى بظلاله على شعراء القرنين الثاني والثالث عشر ـ إلى صورة أخرى من الاستقرار السياسي والأمان الاجتماعي، في القرن الرابع عشر، واجتمعت عناصر التأثير الثقافي المتمثلة في الجماعات الأدبية ومجلة المنهل، وجريدة المدينة المنورة والمنتديات الأدبية المنزلية، بحكم وجودها المكاني بالمدينة المنورة، واستدامة فاعليتها الحيوية.
(1) محمد حسين هيكل،في منزل الوحي،دار المعارف ط8،صـ584