انطلاقًا مما تمتع به من شرف وأفضلية على سائر الأمكنة؛ بما ورد في القرآن والسنة عبر عدة نصوص،إلى القيمة التاريخية التي شكلَّتها هذه المدينة؛ منذ وطأتها أقدام النبي عليه الصلاة والسلام، وتأسست فيها دولة الإسلام،وشكَّل التاريخ الإسلامي انطلاقًا منها، صفحاته الناصعة وصنائعه المبهرة، لتشع الحضارة وتنطلق إلى آفاق الأرض من (المدينة / المكان) [1] .
أما الشعراء الذين تقارب هذه الدراسة أنماط التشكيل المكاني في نتاجاتهم الشعرية، فهم شعراء (المدينة المنورة) منذ النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري إلى هذا القرن، إذ تشكَّل المكان في أشعارهم، من خلال أبرز ملامح التجديد في الحجاز، بحسب (عبد الرحيم أبو بكر) وغيره من الباحثين [2] ،
(1) أنظر صلاح أحمد العلي، دولة الرسول في المدينة، دراسة في تكونها وتنظيمها. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، ط1 .
(2) عبدالرحيم أبو بكر، الشعر الحديث في الحجاز (1916ـ 1948م) مطابع دار المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة.وعاصم حمدان، المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ، مطبوعات نادي المدينة المنورة الأدبي، ط1، 1991م. وعبدالله العلي الحامد الشعر الحديث في المملكة العربية السعودية خلال نصف قرن، مطبوعات نادي المدينة الأدبي، ط1، 1988م.
ومن شعراء هذه الفترة السيد جعفر البيتي ومحمد سعيد سفر. والجامي، وغيرهم، ويمكن أن يشار إلى شعراء آخرين في الحقبة ذاتها، من أمثال عمر بري،الذي ارتبط شعره بالمدائح التي استغرقت جلَّ شعره ؛ بما فيها من صياغة جافة وتقريرية مباشرة في النصوص الأخرى، وهو أقرب ما يكون إلى النظم بصورة عامة. وقد رصد (عثمان حافظ) في كتابه (المدينة المنورة صور وذكريات) أكثر من ثلاثين شاعرًا في حقبة القرن الثالث عشر الهجري وبدايات القرن الرابع عشر، ضاعت دواوين أكثرهم، فيما يشير إلى (شاعرتين) كانتا من شعراء المدينة في ذلك العهد، وهما: (سلمى القراطيش، وحفصة أركوبي) ويورد للأولى أبيات من بحر الوافر منها:
عيون مها الصريم فداء عيني ... ... وأجياد الظباء فداء جيدي ...
أُزين بالعقود وإن نحري ... ... لأزين للعقود من العقود ...
ولا أشكو من الأوصاب ثقلًا ... ... وتشكو قامتي نهب النهود ...
ومع تقليدية هذا المضمون الذي تشتمله هذه الأبيات،إلا أنها تنم عن شاعرية مطبوعة، وجرأة وصفية تشير إلى انفتاح خطاب المرأة الشعري؛ باتجاه هامش واسع لحرية التعبير؛ يرمز إلى المناخ الثقافي العام الذي كانت عليه المدينة المنورة، تؤكده وتعبر عنه أبيات أخرى للشاعرة حفصة أركوبي من ذات البحر تقول:
أزورك أم تزور فإن قلبي .. ... إلى ما تشتهي أبدًا يميل ..
فثغري مورد عذب زلال .. ... وفرع ذؤابتي ظل ظليل ..
وقد أمَّلت أن تظمى وتضحى .. ... إذا ما غاب عنك بي المقيل ..
فعجلَّ بالجواب فما جميل .. ... إباؤك عن بثينة ياجميل ..
وقد نشر المؤلف المقالة التي تضمنت هذه الأبيات بجريدة المدينة المنورة بتاريخ 24/3/1399هـ .
بمعنى تحديد هذه الفترة التي اشتملت حياة الشاعرتين في القرن الرابع عشر الهجري، وهو مايشير إلى ما أسلفناه من طبيعة واقع الحياة الثقافية بالمدينة المنورة، وانفتاح النظام الاجتماعي الذي تشير الشاعرتان إلى مثال من أمثلته.