فالمكان هنا؛ بوصفه مكونًا شعريًا (يحمل تسامي النفس الإنسانية عند الشاعر، مثلما يحمل رثاء المكان دلالة الاعتبار إلى جانب معاني الوفاء ونحوه من المثل العليا، حتى يصبح وصف آثار المكان في أحد جوانبه، ليس إلا نبش الشاعر بوجوده المكاني الذي أخذ في الارتحال) [1] .
ومن ثم فإن القيمة الإبداعية للمكان، لاتقتصر على الشعرية المعاصرة،لأن المكان الجمالي يطل علينا بأنماطه الواقعية والتعبيرية من خلال مدونة العرب الشعرية، فقد كرَّس وقوف الشاعر العربي القديم على الأطلال، إشكالًا ثقافيًا، يروم رسم العلاقة بين الإنسان والمكان وتحديد أبعادها.
وعلاقة الشاعر بالمكان ذات أبعاد متعددة، (تستحضر الواقعي والخيالي والوهمي، ويكفي أن الشاعر يعيش في المكان على مستوى الوجود الحقيقي، ويسبح المكان في عالمه الشعري، فيستحضر المكان من المعرفة الثقافية ويقيم لنفسه وجودًا فيه أويعجل من صورة المكان الحقيقي) [2] .
والمكان الذي تتوخى هذه المقاربة النقدية تحديده نطاقًا لها هو (المدينة المنورة) ، بكل ما تؤصله دلالتها من حقائق ومعان وإيحاءات، فهو المكان المشرع لتأمل البصيرة الإنسانية منذ القدم، وهو أيضًا المكان الحقيقي كوجود (جغرافي) يرتبط بالتاريخ والدين والثقافة، ويؤسس وجوده عليها.
(1) جريدي المنصوري، شاعرية المكان، مطابع شركة دار العلم، جدة الطبعة الأولى 1992م، صـ27 .
(2) المرجع السابق صـ10 .