وكان (المكان /المدينة المنورة) ، وجزئياته التكوينية ؛ الأودية والشوارع والحارات، والمزارع والمساجد؛ مفردات استوحاها النص الشعري لشعراء المدينة، لتتحول إلى علامات مميزة لمعجمهم الشعري، ولازمة في نسيج نصوصهم، وليعاد إنتاجها بصياغة معبرة عن انتمائهم للمكان بذات المستوى المباشر كما رأينا لدى الأنصاري، حيث وقدة الشعور، واحتدام الأحاسيس؛ التي لا يواكبها مستوى تعبيري يكرس شاعريتها،وينهض بمكونات المكان الجمالية ويعبر عنها..!
وبذات المستوى من حيث الوعي بالمكان واستثماره شعريًا، يتأتى لشاعر مديني آخر من شعراء المدينة في القرن الرابع عشر الهجري وهو (عبيد مدني) التغني بالمكان، عبر إنشادية تستتشعر الماضي التاريخي له، بمعنى النظر إليه من خارجه عبر التاريخ، دون استبطان لطاقاته الجمالية، أو التعويل على مكانته كمخزون في الوجدان الاجتماعي، ففي أحد نصوصه يصف الشاعر (العقيق) ،الذي ظل المحرك الأساس للشعر بالمدينة، كونه أكثر مكونات (المكان /المدينة المنورة) الباعثة على التأمل والمحرضة على الشعرية فيقول:
وادي العقيق وماحوى تاريخه ... ... سفر يفيض وصفحة تختال ..
ماذا يقول الواصفون وهل لهم .. ... من بعد ماوصف الرسول مقال ..
ياأيها الوادي المبارك إن في .. ... حصباك أيَّ خواطر تنهال ..
ماإن أتيتك مرة إلا انجلت .. ... عن ذكرياتك هذه الأحوال ..
متمثلًا ماضيك وهو حقيقة .. ... وكأنه مما اعتراه خيال
أين الأُلى ملأ المجالس فضلهم .. ... فعنا لها الإكبار والإجلال [1] ...
(1) عبيد مدني المدنيات، دار العلم للطباعة والنشر،جده،ط1،ج1صـ55.