ولأن (حياة المكان في فكر الشاعر من شأنها أن تتيح له مجالًا من الفاعلية، التي تتجاوز أمور الزينة اللفظية ولما للمكان من أثر في الاتجاه باللغة الشعرية وجهة تخضع لتأمل الشاعر الذي يعايش لفظ المكان ويقلبه على وجوهه المختلفة، ليستوحي منه معنى أو يقتطع منه لفظًا، فإذا ما تم شيء من ذلك طار فرحًا تجسده اللغة التي تحلق به بين الرؤى والأحلام) [1] .
فإن (المكان / المدينة المنورة) .. كان محتوىً وجوديًا يفيض بفاعليته على الرؤى الشاعرة، ومباءةً تنطلق منها غنائيات الشعراء.. ومكوّنًا فنيًا.. تتلبسه لحظة الإبداع الشعري، ليبني علاقة تتجسد وتتحقق على مستوى النص..ببنائها الشعري، واعتبارها المكان أُسًا في كيانها البنيوي وإيقاعاتها الجمالية.
ولأن (المكان حاضن الوجود الإنساني وشرطه الرئيسي والأكثر قابليه للتحول واختزال المفاهيم والاكتظاظ بعدد كبير من الحدود والتصورات والمحاميل وشحنات الجمال) [2] استحل عبر هذه الحتمية الوجودية المعبرة عن حقيقته في وجدان الإنسان، وكانت المدينة (المكان/ الأم) ، وتفاصيلها الجزئية، تتمثل مدىً من القداسة والعمق التاريخي والاجتماعي في الوجدان العام لساكنيها، الأمر الذي جعل المخيلة الإبداعية تعبِّر عن بعض أبعاده ؛ في تشكيل رؤيتها الجمالية، ولأن الإنسان يخضع العلاقات الإنسانية،لنظم وإحداثيات المكان ؛في دينامية تعالق بين الإنسان والمكان، فقد عزز هذا التبادل التأثيري بينهما.
إن المكان الواقعي المعروف (يضع أخيلته وأبعاده الدينية والفلسفية والجمالية في ذهن المتأمل في تاريخه وتحولاته) [3] ، والراغب في استنطاق حمولاته وذكرياته، وهو المتوافر على ما أشرنا إليه من معاني الحضارة والقداسة.
(1) جريدي المنصوري مرجع سابق صـ81.
(2) صلاح صالح، قضايا المكان الروائي في الرواية المعاصرة، دار شرقيات، ط1، 1997م صـ70 .
(3) جريدي المنصوري، مرجع سابق صـ23.