وبالتالي فإن التشكيل المفارق للصورة المكانية في البيت الثاني؛إنما تشير إلى شدة التفاعل بين المكونات الزمانية والمكانية، التي عبر عنها الشاعر في صورة لاواعية تحمل أبعادًا مفارقة،تشير إلى بقاء واستمرارية المكان الأصيل وطغيانه على حركة الزمن؛الذي يرصد حركة المكان ويلاحقها، ثم تتحول هذه الحركة الصدامية بين عناصر الزمان والمكان إلى حركة وئام وتصالح:
وتهب من جنباته نسماته فتفوح عطرًا منعشًا بعبيره
وهذه الصورة النمطية تتولد نتيجة فعل صدامي مرهق بين (المكان / العقيق) والزمان، ويتولد عنها تشكيل مكاني يتكئ على لغة بسيطة مألوفة في تراثنا البلاغي،حيث الوصف الشعري المأخوذ بروعة (المكان/ العقيق) يصيخ للإنشاد والتأمل المظهري للصورة الواقعية التي تسجل انهمار مياه الوادي، والافتنان بتفاصيلها ويحاول الشاعر تصويرها بشكل مألوف،دونما استدرار لمخيلة نشطة، تتلمس تعبيراتها برؤية تستوحي المكونات الجمالية العميقة، والمبثوثة في فضاء المكان كحيز جمالي، وربما لم تستطع شاعرية الأنصاري التقاط حساسيتها.
فيما ينجب العصر ذاته أديبًا مدنيًا آخر يشكل نموذجًا لمستوى الوضع الثقافي بالمدينة المنورة وهو (محمد سعيد الدفتردار) الذي رصد له (محمد العيد الخطراوي) عشرة كتب من أهمها كتاب (تاريخ الأدب العربي) في ستة أجزاء بالاشتراك مع الشيخ أحمد كحيل وكتاب (أعلام المدينة المنورة) .
كما اصطفى الخطراوي تراجم كتبها (الدفتردار) لبعض أدباء المدينة، ونشرها بمجلة المنهل في السبعينيات الهجرية، ليدلل على عنايته بالتراجم. والتي يعدها الخطراوي (سببًا في شهرة الدفتردار وتميزه على أقرانه) [1] .
(1) محمد العيد الخطراوي، (محمد سعيد فتردار مؤرخًا وأديبا) مطبوعات نادي المدينة المنورة الأدبي.ط1 1424هـ صـ16.