فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 48

وقد شهد المكان في النصف الثاني من القرن الثاني عشر وماتلاه حتى بدايات القرن الرابع عشر شعراء مثل: (جعفر البيتي، وعمر داغستاني وأمين زللي، وإبراهيم الأسكوبي ومحمد العمري وعبدالجليل براده) .. ويعدهم (عبدالرحيم أبوبكر) ممثلين للنهضة الشعرية الحديثة [1] ، هؤلاء الشعراء لم يعيدوا إنتاج المكان الجمالي شعريًا، بقدر ما انطلقوا يصورونه من خلال واقعه السياسي؛ بغرض نقد هذا الواقع والتمرد عليه.

ثمة شعراء كوّن (المكان / المدينة المنورة) في شعرهم..محفزًا إبداعيًا.. يتشكل جماليًا عبر النص الشعري.. ليغدو المكان عنصرًا ملهمًا.. وتكوينًا جماليًا يكتنز بالرؤى والإيحاءات (منهم عبد القدوس الأنصاري) الذي وصف في قصيدة له عام 1359هـ وادي العقيق المبارك يوم انهماره بقوله:

هذا العقيق وقد هما متبسمًا .. ... طلق المحيا شاديًا بسروره ...

وتراه في لألائه متدفقًا .... ... ينساب بين سهوله ووعوره ..

تتكسر الأمواج فوق صخوره .. ... فتئن من تأثيره وعبوره ..

وتهب من جنباته نسماته .. ... فتفوح عطرًا منعشًا بعبيره ...

وتحفه أشجاره مزدانةً ... بنوارها المفتر من تأثيره ..

مراته السوداء أشرق وجهها .. ... وتهللت بقدومه ومروره ..

هبت تعانقه وتشكو بؤسها .. ... وشجونها من هجره وحروره [2] ..

فالتشكيل الجمالي للمكان في قصيدة الانصاري يبرز صورة شعرية قريبة للذهن، تعبر عنها صياغات نمطية بسيطة (تراه في لألائه) .. (طلق المحيا) .. (تتكسر الأمواج) ... وهي صياغات تمكن المتلقي من إدراك معانيها ودلالاتها بسلاسة ويسر وتجعله يرتبط بالمكان في ألفة وحميمية، وبلغة تلقائية يشع عليها العقل الباطن بعض فيوضاته، فتفرز بعض صوره، وتقترب من أطياف الرمز من خلال بُنى صياغية توحي تشكلاتها ببعدها المألوف، وذلك حين تعبر عن مكان واقعي معروف للمتلقي.

(1) عبدالرحيم أبو بكر، مرجع سابق صـ70/75

(2) عبدالقدوس الأنصاري، ديوان الأنصاريات، دار الإنصاف بيروت، صـ15/16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت