غير أن هذين البعدين؛ لم يتشكلا بمعزل عن المحيط المجتمعي العام، ومكونات وجوده الكلي، فثمة عناصر اجتماعية أخرى تعزز المشهد الثقافي، حتى قبل فترة الخمسينيات الهجرية من القرن الماضي..يصفها (عثمان حافظ) بقوله (كانت مجالس الأدباء والأدب بالمدينة المنورة كلها أدب وشعر وفكاهة ومرح وطرب، وكان لأدباء المدينة قطع شعرية ونثرية رائعة، وتوجد عدة دواوين شعرية لبعض الأدباء ومعظمها غير مطبوعة، ومن هذه الدواوين الشعرية ديوان السيد محمد البيتي وديوان الشيخ محمد إبراهيم أسكوبي، وديوان الشيخ عبدالجليل براده، وديوان السيد أنور عشقي، وديوان الشيخ عبدالحق رفاقه علي وديوان الشيخ عمر بري، وديوان السيد عبيد مدني، وديوان الشيخ محمد سعيد دفتردار، وديوان الشيخ سعد الدين عبدالجليل براده، وديوان السيد علي حافظ وديوان الشيخ محمد هاشم رشيد، وقد طبع هذا الديوان حديثًا، وهو لشاب نابغة وديوانه يعطي صورة واضحة عن شعراء المدينة المنورة) [1] .
وإزاء هذا الكم من المجموعات الشعرية، نستبين بعض علامات المشهد الثقافي ومكوناته، التي حاولت بث الروح في الحركة الأدبية بالمدينة المنورة، عبر النصوص الشعرية والنثرية، وبتأمل قالة (عثمان حافظ) ورصده الشمولي ؛لواقع الأدب بالمدينة المنورة قبل أكثر من نصف قرن.. نستوضح إرهاصات وجهها الثقافي (الشعري) .
فمن يصفه عثمان حافظ (بالشاب النابغة) صار من أبرز شعراء المملكة عبر ستة دواوين شعرية..كما أن بعضًا من الشعراء الذين ذكرهم، لا زالت دواوينهم المخطوطة أو المطبوعة شاهدةً على الثراء النوعي لحركة الأدب، والشعر تحديدًا آنذاك.
وما يعنينا من هذه المقالة..هو بعدها الوثائقي الراصد للمشهد الثقافي بالمدينة المنورة..وما يستودعه من دلالات على ثراء المكان الشعري وهو ذاته المكان الواقعي..عندما تعيد الذائقة الشعرية رسمه بأدواتها ومخيلتها الجمالية..!
(1) عثمان حافظ، مرجع سابق صـ107