وحين نورد هذا النموذج وأمثاله للجيل اليوم فإن ذلك ليس دعوة لهم ليضعوا أنفسهم ضمن قائمة الجائعين والمعوزين، ولا ليحكموا على أنفسهم بالفقر وعيشة البؤساء، لكنها دعوة لأن نراجع أنفسنا ونسأل عن قيمة الدين لدينا وعن منزلته في نفوسنا، وما مدى استعدادنا للتضحية في سبيل الله؟ وليكون ذلك خطابًا صريحًا لأولئك الذين يريدون نصرة الدين وهم لا يملكون هذه المعاني، دعوة لهم لأن يحققوها في أنفسهم أو يبحثوا لهم عن طريق آخر غير هذا الطريق الذي لا يسلكه إلا الجادون الأقوياء.
ونلمس في حادث الهجرة أمرًا له أهميته ودلالته، فلم تكن قضية أسماء نتاج موقف أملاه مجرد قربها من بيت النبوة حين كانت ابنة الصديق، بل نلمس بعدًا آخر مع ذلك في هذه القضية، فحادث الهجرة حادث فريد وخطير وهو يتعلق بمستقبل الدعوة آنذاك، نجد أنه يسهم في هذا العمل فتاة في ريعان الشباب ألا وهي أسماء رضي الله عنها، وشاب تصفه أخته بأنه ثَقِف لقن ألا وهو عبدالله بن أبي بكر، وشاب آخر هو علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ومع أولئك راعي غنم هو ابن فهيرة، إذًا فقد كانت قضيةً عاشها الجميع، وشاركها المجتمع بكافة فئاته.
وهاهي فاطمة -رضي الله عنها- تسجل موقفًا آخر: