فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 58

عن ابن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، قالت: وانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبت؛ إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: فأخذت أحجارًا فتركتها فوضعتها في كوة البيت كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا لكم بلاغ، قالت: لا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني قد أردت أن أسكن الشيخ بذلك [1] .

وحين يقرأ المسلم هذا الموقف ويعود إلى واقعه المعاصر ليقارن، يرى هذا البون الشاسع، ويدرك أن ثمة قطيعة هائلة بين الأمة وتاريخها، وأن واقعها يعجز عن الوفاء بكثير من تبجيلها للتاريخ وإعلائها لشأنه، ويطرح المسلم بعد ذلك بجدٍ هذا السؤال: ما قيمة الدين في نفوسنا؟ هاهي فتاة في مقتبل العمر لها مطالب الناس وهمومهم وحاجاتهم، ومع ذلك تتخلى عن مالها وترضى أن تعيش هذه العيشة.

لقد كان بإمكانها أن تطلب من أبيها أن يترك لهم شيئًا من النفقة، وأن تذكِّره بواجبه تجاههم ولن يعيقه ذلك كله عن هجرته أو يصده عنها، لكنها لم تفعل شيئًا من ذلك لأنها تعيش همًا آخر وعالمًا آخر، وتدرك أن القضية أكبر من أن تشغل والدها بهذه المطالب.

(1) رواه أحمد (26417)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت