ولقد اعتنى علي -رضي الله عنه- بهذه الوصية وبلغت منه مبلغًا؛ إذ حَدَّث عن نفسه فقال -رضي الله عنه-: «فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » قيل له: ولا ليلة صفين ؟ قال: «ولا ليلة صفين » [1] .
نصرة الدين
إن من تكريم الله تبارك وتعالى للناس أن حمَّلهم مسؤولية نصرة الدين والقيام به، ولو شاء تبارك وتعالى لتحقق ذلك بقدرة خارقة دون أن يكلف الناس بذلك، وهو تبارك وتعالى غني عن خلقه {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد 4] .
وحين نهى تبارك وتعالى عباده عن التخلي عن هذا الواجب أو التقصير في القيام به أخبر أن البديل ليس خارقة أو معجزة {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد 38] .
لذا فقد شعر المسلمون أن على كل فرد منهم حظه من المسؤولية في القيام بنصرة دين الله والذبِّ عنه، وأصبحت قضية الإسلام والمسلمين قضية تشغل الجميع ويعيشها الجميع، وليست خاصة بفئةٍ دون أخرى، وأن اختلاف طبيعة الفرد ودوره لا يلغي واجبه في المشاركة والقيام بالعبء.
ومن ثم كان للنساء دور لا ينكر في نصرة الدين، ففي حادث الهجرة -وهو من أخطر حوادث السيرة وأعمقها أثرًا في مسيرة الدعوة الإسلامية- تسجل أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- هذا الموقف الفريد.
لقد بلغت قيمة هذا الموقف أن صارت تعرف بهذا اللقب، وحين عيَّر الجاهلون ابن الزبير بذلك قال مقولته المشهورة:
وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة زائل عنك عارها
وحين غادر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه مكة دخل عليها جدها ليطمئن على أحوالهم فماذا كان منها؟
(1) متفق عليه. والشاهد منه عند مسلم (2727) .