و الذين اعتادت ألسنتهم الذكر ولهجت به هم من أبعد الناس عن الوقوع في الغيبة والنميمة أو الحديث بما لا يليق، فألسنتهم تستثقل الحديث العابث فضلًا عما حرم الله تبارك وتعالى، والله يجزي العبد من جنس عمله فيجازيه على عبادته بحجبه عن المعصية. قال تبارك وتعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)} [الأنفال 24] .
والذكر بعد ذلك كله عون للمرء على مشاق الدنيا ومتاعبها، فهاهو أعلم الخلق بربه يوصي به ابنته وفلذة كبده ومعها صهره وصاحبه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، ولم يوصهما - صلى الله عليه وسلم - به إلا وهو يعلم عظيم أثره.
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لابن أعبد: ألا أخبرك عني وعن فاطمة -رضي الله عنها- كانت ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت من أكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرت بالرحى حتى أثَّر الرحى بيدها، وأسقت بالقربة حتى أثَّرت القربة بنحرها، وقمَّت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر فقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبي أو خدم قال: فقلت لها:انطلقي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاسأليه خادمًا يقيك حر ما أنت فيه، فانطلقت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت عنده خدمًا أو خدامًا فرجعت ولم تسأله... فذكر الحديث فقال: « ألا أدلكِ على ما هو خير لكِ من خادم؟ إذا أويتِ إلى فراشكِ سبحي ثلاثًا وثلاثين، واحمدي ثلاثا وثلاثين، وكبري أربعا وثلاثين» قال: فأخرجت رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله مرتين [1] .
(1) رواه أحمد (1315)