فهذا مما يوجدب تقديم أقوالهم . ورحم الله الذهبي حين قال - فيما سبق نقله عنه -: (( وأما نحن فطالت علينا الأسانيد وفقدت العبارات المتيقنة ) ). ولقد كان المحدثون الأوائل يعتنون بما سمعوه من شيوخهم ويحققون فلا يأخذون ما فيه تدليس كما روى عن شعبة أنه كان يرقب فم شيخه قتادة ، فإذا صرح بالتحديث والسماع كتب [1] ، بل كان بعضهم يسأل شيخه هل سمع هذا الحديث ممن فوقه أو لا ؟ فمن ذلك ما رواه أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن عمرو عن جابر قال: (( كنا نعزل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ينزل ) )فقلت - أي شعبة -: أنت سمعته من جابر ؟ قال - أي عمرو -: لا [2] .
ومن دقة المحدثين الجهابذة الأوائل أنهم كانوا يضعفون أحاديث بعض الثقات في بعض شيوخهم دون بقيتهم مثل حماد بن سلمة في رواية عن قيس بن سعد قال أحمد: ضاع كتابه عنه فكان يحدث من حفظه فيخطئ ، وكذا ضعف يحيى القطان روايات حماد بن سلمة عن قيس بن سعد ورواياته عن زيد الأعلم [3] ، وكذ تكلم أحمد في روايات جرير بن حازم عن قتادة [4] ، والأمثلة على هذا كثيرة بل جعلوا من هذا القبيل أنواعًا فمنها: من ضُعِّف حديثه في وقت دون آخر ، ومنها: من ضُعِّف حديثه في مكان دون آخر ، ومنها: من حدث عن أهل مصرٍ فحفظ حديثهم وحدث عن غيرهم فلم يحفظ ، ومنها من حدّث عنه أهل مصرٍ فحفظوا حديثه وحدث عنه غيرهم فلم يقيموا حديثه ، وأقرأ هذه الأنواع وأمثلتها لترى عجبًا في شرح العلل لابن رجب [5] .
4-جمعهم للطرق ومعرفتهم بالعلل .
(1) انظر: المراسيل ، ص 171 لابن أبي حاتم ، وطبقات ابن سعد (7/229) ، والجرح والتعديل (1/161) .
(2) مسند الطيالسي ، ص 236 .
(3) شرح علل الترمذي لابن رجب (337 ، 338) ، ت: السامرائي .
(4) المراجع السابق ، ص 339 .
(5) شرح علل الترمذي ، من ص 308 - 360 .