الصفحة 18 من 21

ومن العلماء من قيّد المطر بالشديد الذي يبلّ الثياب وتقع المشقة بسببه.

قال ابن قدامة: والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه، وأما الطلّ والمطر الخفيف الذي لا يَبُلّ الثياب فلا يبيح، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في معناه وكذلك البَرَد.

فأما الوَحْل بمجرّده، فقال القاضي: قال أصحابنا: هو عذر؛ لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب كما تلحق بالمطر، وهو قول مالك.

وذكر أبو الخطاب فيه وجها ثانيا أنه لا يبيح، وهو مذهب الشافعي وأبو ثور؛ لأن مشقته دون مشقة المطر، فإن المطر يبل النعال والثياب، والوحل لا يبلها، فلم يصح قياسه عليه، والأول أصحّ لأن الوحل يلوث الثياب والنعال ويتعرض الإنسان للزّلق، فيتأذى نفسه وثيابه، وذلك أعظم من البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة فَدَلّ على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم.

فأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة ففيها وجهان: أحدهما يبيح الجمع. قال الآمدي: وهو أصح، وهو قول عمر بن عبد العزيز؛ لأن ذلك عذر في الجمعة والجماعة [1] .

خامسًا: هل يجمع بين الظهر والعصر لأجل هذه الأعذار؟

ذهب بعض أهل العلم إلى منع الجمع بين الظهر والعصر في المطر

قال ابن قدامة: فأما الجمع بين الظهر والعصر فغير جائز [2] .

وهذا خلاف المقصد من الجمع، فإنه متى ما وُجِدت المشقة جاز الجمع، كما تقدّم.

قال الإمام الشافعي: أرأيتم إن قال لكم قائل: بل نجمع بين الظهر والعصر في المطر، ولا نجمع بين المغرب والعشاء في المطر. هل الحجة عليه؟ إلا أن الحديث إذا كانت فيه الحجة لم يَجز أن يؤخذ ببعضه دون بعض، فكذلك هي على من قال: يجمع بين المغرب والعشاء، ولا يجمع بين الظهر والعصر، وقلما نجد لكم قولا يصح، والله المستعان. أرأيتم إذا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فاحتججتم على من خالفكم بهذا الحديث في الجمع بين المغرب والعشاء، هل تَعدون أن يكون لكم بهذا حجة؟ فإن كانت لكم به حجة فعليكم فيه حجة في ترككم الجمع

(1) المغني (3/ 134) .

(2) المرجع السابق (3/ 132) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت