الصفحة 16 من 21

ثم قال الحافظ: لكن رواه مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير بلفظ من غير خوف ولا مطر، فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر، وجوّز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض، وقوّاه النووي، وفيه نظر؛ لأنه لو كان جَمْعُه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جَمَعَ بأصحابه، وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته. قال النووي: ومنهم من تأوّله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم مثلا فَبَانَ أن وقت العصر دخل فصلاها. قال: وهو باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء [1] .

ثالثًا: حَمَل بعض العلماء الحديث على الجمع الصوري، وهو مردود بقول راويه: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته.

قال ابن حجر: وإرادة نفى الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج [2] .

رابعًا: جواز الجمع إذا وُجد العُذر المبيح له.

فالمرض عُذر، ومتى وُجِدت المشقة جاز للمريض الجمع.

قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في جمع المريض بين الصلاتين في الحضر والسفر، فأباحت طائفة للمريض أن يجمع بين الصلاتين، وممن رخص في ذلك عطاء بن أبي رباح.

وقال مالك في المريض: إذا كان أرفق به أن يجمع بين الظهر والعصر في وسط وقت الظهر إلا أن يخاف أن يغلب على عقله فيجمع قبل ذلك بعد الزوال، ويجمع بين المغرب والعشاء عند غيبوبة الشفق إلا أن يخاف أن يغلب على عقله فيجمع قبل ذلك، وإنما ذلك لصاحب البطن وما أشبهه من المرضى، أو صاحب العلة الشديدة يكون هذا أرفق به [3] .

وقال الليث: يجمع المريض والمبطون، وقال أبو حنيفة: يجمع المريض بين الصلاتين كجمع المسافر، وقال أحمد وإسحاق: يجمع المريض بين الصلاتين [4] .

(1) فتح الباري (2/ 30) .

(2) المرجع السابق (2/ 31) يعني قَصْد الجمع الصوري لا يخلو من حرج.

(3) الأوسط (2/ 434) ، والاستذكار لابن عبد البر (6/ 36، 37) .

(4) الاستذكار (6/ 37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت